ملفات خاصة

الجمعة 24 رجب 1438هـ - 21 إبريل 2017م

الدعاة الجدد.. عصر الصورة

عبدالله الزازان

المثقف الإسلامي الحديث لم يرتقِ في خطابه إلى مستوى الفقيه أو العالم التقليدي لقلة إدراكه بالمعارف الإسلامية والعلوم الشرعية، ولعدم استيعابه مدارس الفكر الغربي..

منذ بداية القرن التاسع عشر كان للحركة الإصلاحية على يد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا دور فاعل في نقل حركة الإسلام من المؤسسة التقليدية إلى المؤسسات الحديثة وتجسير حركة التواصل بين الفضاءات التقليدية والعالم الحديث وبين آليات الفكر الحديث وأدوات الخطاب الغربي.

ولذلك صرنا نشهد المثقف والمفكر الإسلامي الحديث بجانب الفقيه والعالم التقليدي والمؤسسات التعليمية التقليدية بمحاذاة المعاهد والجامعات الحديثة وتراجع الدعاة التقليديين أمام الدعاة الجدد وتراجعت الأنماط الخطابية التقليدية تاركة المجال مفتوحاً لأنماط خطابية أخرى، غير أن المعضلة الكبرى تتمثل في تراجع دور المؤسسات والجامعات التقليدية وعجز المؤسسات والجامعات الحديثة عن ملء دور المؤسسات والجامعات التقليدية.

ذلك أن المثقف الإسلامي الحديث لم يرتق في خطابه إلى مستوى الفقيه أو العالم التقليدي لقلة إدراكه بالمعارف الإسلامية والعلوم الشرعية ولعدم استيعابه مدارس الفكر الغربي.

نتج عن ذلك خطاب دعوي جديد يدور حول نفسه ويتناول قضايا وموضوعات كبرى لا يحسن هضمها ويمارس نفوذه في المجتمع بدعوى الحفاظ على قيم المجتمع ومحاربة الانفلات الذي يتهدد المجتمع مستفيداً من علاقاته الوطيدة ببعض المؤسسات والشخصيات الشرعية مما سبب حيرة فكرية ما بين حالة التدين الفطري التي تسود المجتمع والتدين الذي يمثل هذا الفكر الجديد.

نشأ عن تلك الحالة الفكرية مشروعات دعوية شخصية ذات تبعيات واسعة تتحدث باسمها وتنشر تعاليمها وتمارس نفوذها في المجتمع ولها علاقاتها الواسعة ومقاصدها وخطابها الدعوي وطريقتها في طرق قضايا الدين أبانت عن توجهات فكرية وثقافية تسعى لتنشئة المجتمع من جديد على طريقتها مواصلة خطها كي تكون كإطار مرجعي لثقافة المجتمع.

فساد موقفان فكريان مختلفان ونشأ المجتمع معزولاً بعضه عن بعض ولم تتوقف تلك المشروعات الدعوية على منطلقات الداعية الشخصية، وإنما أدخلت أفكار ونظم وبرامج وصراعات الجماعات والحركات المستوردة إلى مفاصل الحياة اليومية في محاولة لإعادة صياغة المجتمع ذي التوجه المحافظ إلى الصورة الحركية التي كانت عليها تلك النظم، وأسقط على المجتمع توجهات تلك الجماعات وطريقة إدارتها للصراعات والقضايا الثقافية السائدة: كالغزو الفكري والتغريب ومعاداة التيارات الفكرية وثقافة الإقصاء والتصنيفات وحملات التشنيع والجدل الفكري وتسييس الدين وتسخيره لحسابات سياسية والتعامل مع الأزمات وكأنها قدر تاريخي غير قابل للحلول وهي مظاهر وسلوكيات خارجة عن الأنساق الثقافية السائدة في المجتمع في محاولة لعزل المؤسسة الدينية الشرعية ومخاطبة المجتمع مباشرة لوضع الدين في قلب الفضاء العام بعيداً عن النهج التقليدي للمؤسسة الدينية من خلال التمركز في عصر الصورة وأدواته، وهو شكل للتدين يجمع ما بين الثروة والتقوى مستلهمين أفكار حركتي فتح الله غولن في تركيا ذات الإمكانات المؤسسية الاقتصادية والإعلامية الهائلة ذات الصبغة الإسلامية، وحركة الداعية الأندونيسي عبدالله جمنستيار ذات الخطاب الجماهيري الواسع والتاريخ الوعظي العريض، وهذا بالضبط ما يراهن عليه الدعاة الجدد مشروعات دعوية ذات تبعية واسعة متحمسة لها لسانها التلفزيوني الذي يتحدث باسمها وينشر تعاليمها ولها علاقاتها الواسعة التي تمارس بها نفوذها في المجتمع.

وقد تعاظم أثر هذه التيارات وشكلت أداة ضغط على المجتمع مستفيدة من حالة التغيرات التي سادت المجتمعات واللحظة العولمية وعصر الصورة ليأخذ الخطاب الدعوي صورة جماهيرية واسعة محاولاً تعزيز نفوذه وتدعيم مواقفه وتوسيع انتشاره مما يستوجب دراسته وتبيين أثره النهائي على المجتمع، وهل هذا الأثر على وفاق مع قيم المجتمع أم أنه أثر سلبي يؤدي إلى اضطراب المعايير الاجتماعية وتنشيطها في اتجاه الاختلال وعدم التوازن.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 10

1

  فهد المطيري_السعودية

  إبريل 21, 2017, 8:18 ص

هؤلاء الدعاة ليبراليين متحررين بعظهم يبيح الاختلاط والقبلات الخاطفة

2

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 12:06 م

لا التقليدي المعروف بالماضوي أفضل لأنه يلغي فقه المصالح ويتعمد نسيان أن الدين صالح لكل الأمكنة وكل الأزمنة ، ولا الحديث أفضل إذا تجاهل أقوال شيوخ الماضي المعتبرين .. والحل في قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا) الاية .. الوسطية ثم الوسطية .. فلا تشدد ولا إفراط ..

3

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 5:56 م

كأنك - في خاتمة المقال - تعترض على أسلوب الوعظ لو ما وافق العادات والتقاليد والسلوم المجتمعية - بل كأنك تقدم "الأعراف" على الدين .. تداخل - بارك الله بك - وحل لنا هذه الإشالية ، توضيحا وتعليلا .. قل : تم .. واخبرنا ..

4

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:01 م

مشكلتنا مع بعض وعاظنا (الماضويين والجدد) هي أنهم ينتصرون لأنفسهم أولا ، ويبذلون الجهد الجهيد (بالتي واللتيا) للانتصار للنفس وفرض وجهة نظرهم ، على رأي الطرف الآخر ..

5

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:04 م

يجب أن يكون البحث عن ، وعلى الدليل هو الأساس بصرف النظر عن مصطلحي : القديم والجديد ..

6

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:12 م

اقتباس " المثقف الإسلامي الحديث لم يرق لم يرتق في خطابه إلى مستوى الفقيه أو العالم التقليدي ، لقلة ادراكه بالمعارف الإسلامية ، والعلوم الشرعية ، ولعدم استيعابه مدارس الفكر الغربي " انتهى الاقتباس .. هنا نقول ، وبصوتٍ عال( على رسلك يا شيخنا الفاضل - لقد عممت وانحزت ولم تأت بما يؤيد ما قلت .. / يتبع =

7

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:25 م

=تكملة..هل كان الماضويون -سددك الله- أكثرإدراكا واستيعابا للعلوم (اللاتينية والفلسفية..الخ. والغربية بشكل عام)؟وما الدليل؟ ثم كيف حكمت ؟ وبما استدليت ؟ وهل مثل الشيخين:عبد الله بن بيه، ومعالي عضو هيئةكبار العلماء الشيخ الدكتور الفقيه المؤلف المؤرخ عبدالوهاب أبو سليمان- غير ملمين؟ (مالكم كيف تحكمون).

8

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:33 م

شيخنا الفاضل/عبد الله الزازان..حفظه الله..أرجو أن لا يصل بنا الحال إلى التألي على الله -جل في عُلاه- فنقول (نحن الفرقة الناجية الوحيدة ، ولنا الجنة_وغيرنا -كلهم - فرق ضالة ولها النار..وليتنا نضع دائما أمام أعيننا الحديث القدسي ( من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان ، لقد غفرت لفلان وأحبطت عملك).

9

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:41 م

العنوان احتوى على ( ... عصر الصورة ).. ويتبادر إلى ذهن القاريء مجموعة الشيوخ الذين كانوا يحاربون الصورة والتصوير والترزز أمام الكيمرات ، واليوم نجدهم يتسابقون زرافات ووحدانا للتصوير وتوزيع الابتسامات والجديّة حسب مقتضى الحال.. رحم الله ابن باز وابن عثيمين وكل من قال لا إله إلا الله_ محمد رسول الله !

10

  غرم الله قُليّل

  إبريل 21, 2017, 6:48 م

سؤالي للشيخ الفاضل / عبد الله الزازان : أليس غريبا (بعض الشيء) أن أكثر متسيدي جانب الوعظ الديني في هذا الزمن من فئة أصحاب الملايين - مع العلم أنهم لا يمارسون التجارة ولم يكونوا ممّن جاء له " إرث " كبير ؟! لا نحسد أحد ، ونقول الله الذي رزقهم يرزق الفقراء والمساكين وأنت وأنا - إنه على كل شيء قدير ..

أضف تعليقك

ننصحكم ( بتسجيل الدخول ) أو ( تسجيل عضوية جديدة ) للتمتع بمزايا إضافية

يرجى إدخال الاسم
يرجى إدخال الإيميل
35% Complete (success)
20% Complete (warning)
10% Complete (danger)

عدد الحروف المسموح بها 300 حرف


الحروف المتبقية : 300

انتظر لحظات....

* نص التعليق فارغ
* نص التعليق أكثر من 300 حرف