استغرقت الرحلات الغربية إلى جزيرة العرب قرابة أربعة قرون بدأت من نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وانتهت في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي. وتتميز رحلات القرنين الأولين من تلك الفترة بأنها رحلات كانت ذات طابع فردي، ويكتنفها الغموض حيال أهدافها غير المعلنة، وكانت في مجملها ذات أخطار، ولكنها لا تخلو من الفائدة العلمية. أما الرحلات في بقية تلك الفترة فهي رحلات تحمل الطابع الديني/التنصيري، أو الطابع العسكري، أو ذات سمة سياسية رسمية، أو جاءت لأغراض علمية واستكشافية.

ما دعاني لكتابة هذه المقدمة القصيرة، وقد سبق ان تحدثت عن موضوع رحلات الغربيين الى جزيرة العرب بالتفصيل في فصل مطول ضمن كتاب: (المؤلفات النادرة) الذي أصدرته مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض عام 1416هـ أقول إن السبب في معاودة التعرض للموضوع هو بمناسبة صدور كتاب عن دار برزان بلندن هذه السنة. وهو كتاب: السيرة الذاتية لليدي آن بلنت جءع ءخخ جصخش، وهو من تأليف وينستون ب.ض.ئ.طةخسشدخ لقد رتب الصديق بيتر هاريجون ذشز بءززةادخ حفل استقبال وتدشين بمناسبة صدور الكتاب في منزل الملحق الثقافي البريطاني بالرياض، وكان لي شرف الحضور والمشاركة.

يعد الكتاب قيد الإشارة أول سيرة ذاتية موسعة عن حياة الرحالة الليدي أن بلنت. وقد أحسن المؤلف صنعاً في كتابه هذا. فلم نكن نعلم عن سيرة هذه الرحالة العظيمة إلا من خلال ما كتبته هي عن رحلتها لشمال الجزيرة العربية.

تعد عائلة آن بلنت أول عائلة إنجليزية شريفة تزور الجزيرة العربية. فقد وصلت الليدي آن بلنت مع زوجها ويلفرد إلى حائل في عام 1879م. وتقول بعض التقارير العائدة لتلك الفترة أن سبب الزيارة هو توفير قيادة قوية للحركة التي ترمي إلى اعادة الخلافة الإسلامية إلى مكة المكرمة، واستردادها من استانبول عاصمة الدولة العثمانية آنذاك. فإن صح السبب، فهو سبب واضح المغزى. إذ هو موجه لمحاربة الدولة العثمانية. مع أن السبب المعلن للزيارة هو شراء بعض الخيول العربية الأصيلة.

إن رحلة الليدي آن بلنت إلى شمال الجزيرة العربية طريفة من وجوه عديدة. فهي أول سيدة أوروبية تقوم بمثل هذه الرحلة، وهي رحلة محفوفة بالمخاطر والشكوك. وكانت الليدي آن بلنت إلى جانب مهمتها الرئيسة تقوم بالاتصال بالقبائل العربية القاطنة في الأراضي الواقعة بين الشام وحائل. وتتعرف على سلالات الخيل العربية الأصيلة. أما كتابها عن رحلتها ففيه إشارات ذكية ودقيقة عن المراحل التي قطعتها في بلاد العرب.

والواقع أن هذا الكتاب يعد أول كتاب عن سيرة الليدي آن بلنت. وقد ركز المؤلف على سيرتها الذاتية المتعلقة بالرحلات، وبالتأليف. وهما ميدانان اشتهرت بهما الليدي آن بلنت. ولم يعد خفياً أنها لعبت دوراً مرموقاً يبز أسلافها الذين اشتهروا في أدبيات العصر الفيكتوري. ومع كل هذا تظل الليدي آن بلنت أقل شهرة من مثيلاتها من نساء ذلك العصر. وجملة القول أن الكاتب وينستون قدم عملاً رائعاً عن سيدة تحمل في جنباتها قلباً مفعماً بالحب لكل الناس، وعقلاً واعياً لكل المستجدات.

ولعل الليدي بلنت كما يقول المؤلف متأثرة بميراث عائلتها. فجدها اللورد بيرون جدز عزدخ، وأمها السيدة آدا لوفليس ءء جدضجء، وهما ممن قدما مساعدات لا تنكر للسيد بابيج ءءإ أول رائد في صناعة الحاسوب. هذا الوهج المعرفي كان النواة التي رسخت حب العلم والمغامرة في قلب الليدي آن بلنت وعقلها. ثم اكتمل الميراث العائلي بما توفر لها من زواجها من السيد ويلفرد بلنت طةجئزة جصخش. ذلك الشاب الوسيم الذي كان محط انظار سيدات المجتمع المخملي في لندن.

كان من نتائج ما توفر لليدي آن بلنت أن أصبحت أول سيدة أوروبية تصل إلى وسط الجزيرة العربية، بل وتسجل رحلتها تسجيلاً رومانسياً رائعاً. كانت بصحبة زوجها في رحلة عبر صحراء النفود، التي أحبتها، وكتبت عنها أروع الكلمات، وأصدق الأوصاف. لقد كانت كتاباتها عن الصحراء، وألوان الطيف المائي الذي رأته ببصيرتها قبل أن تراه بعيونها، أروع ما وصل إلينا من وصف الصحراء في الأدبيات الغربية. لقد شدها السكون الذي يلف الصحراء. إنه سكون أشبه ما يكون بالصلاة، صلاة الكائنات لخالقها. ومع هذا فقد كانت أمينة عندما تحدثت عن المخاطر التي تكتنف المسافر الأجنبي في الصحراء العربية.

وكان الهدف الرئيس لرحلتها لبلاد العرب هو الحصول على الخيل العربية الأصيلة. وقد تعدى الأمر شراء بضع رؤوس من تلك الخيل، إلى هدف أسمى وهو المحافظة على السلالة العريقة لتلك الخيل الأصايل. لدرجة أن عدها بعض المؤرخين أنها الشخص الذي قدم عملاً مسؤولاً وغير مسبوق في ميدان المحافظة على سلالات الفرس العربي. وهو قول لا يخلو من صواب.

يتوزع كتاب وينتسون عن سيرة الليدي آن بلنت على ثلاثة أقسام: الأول بعنوان: العائلة والطفولة. وفيه بحث موسع عن طفولة الليدي آن بلنت. وفيه حديث عن ارهاصات النبوغ عندها. وعنوان القسم الثاني: الزواج والمغامرة. وهو بلاشك ربط ذكي بين زواجها الميمون متزامناً مع حبها وقيامها بالمغامرة في السفر إلى البلاد العربية والصحراء العربية. بل إنها عدت زيارتها لجزيرة العرب على أنها الحج الديني. جاء الفصل الثالث بعنوان: الوعي والمنفى. وهو حديث عن تبدد الوهم السائد في أوربا عن جزيرة العرب. وذلك بابراز السمات والصفات التي سجلتها الليدي آن بلنت.

وكما تعد الليدي آن بلنت أول امرأة تزور شمال الجزيرة العربية ووسطها، فهي أو رحالة من الغرب تزور حائل. وكان من نتائج زيارتها تلك أن مهدت الطريق لتأسيس أول اسطبل للخيل العربية في بريطانيا. بجانب أنها قدمت أول ترجمة أمينة لبعض التراث العربي الجاهلي. لقد سخرت الليدي آن بلنت وقتها وحبها للخيل العربية، واتخذت من المهر العربية ذرية، بدلاً من ذريتها الشخصية التي حرمت منها. كانت أمومتها مرسخة لتلك المهر لدرجة تفوق الوصف.

والحق أن وينتسون سخّر قدراته الأدبية، ووقته في الرجوع إلى المذكرات واليوميات غير المنشورة، وإلى الوثائق والرسائل غير المعروفة، وإلى المقابلات الشفهية من أجل أن يكتب هذه السيرة الموثقة لحياة بطلة من أبطال القرن التاسع عشر الميلادي. والكتاب قيد التنوية جاء في 380صفحة بجانب الفهارس الموضوعية. وهو من القطع المتوسط، وطباعته وإخراجه من المستوى العالي، وكتب بلغة إنجليزية تنحو منحى الأدب.

ولابد من التنوية بمنشورات برزان في لندن لنشرها هذا العمل المتميز. وهذه الدار الوليدة تأخذ على عاتقها نشر كل ما يمت للمملكة من أعمال رائدة. أما المؤلف وينتسون، فهو صاحب التآليف عن الشخصيات التي لعبت أدواراً في تاريخ العرب الحديث مثل: جيرترود بيل، السير لينورد وولي، وهاورد كارتر. لقد شهد لهذا المؤلف أغلب الباحثين والمثقفين بقدرته البحثية، وبصيرته النافذة. هذه إطلالة سريعة بمناسبة صدور هذا الكتاب المهم لتاريخ المملكة، ولتاريخ رحلات الغربيين للجزيرة العربية. وسوف نقدم له مراجعة موسعة عند صدور الطبعة العربية، التي ستصدر في غضون أشهر قليلة. والله الموفق.