السياسة السعودية كمجال تخصص علمي مازالت بعيدة عن الباحثين المحايدين، فأغلب من كتب عن السياسة السعودية كانوا ممن أخذتهم الأحكام المسبقة والملفقة إلى إنتاج مادة علمية ضعيفة لا ترقى إلى مستوى المعرفة الحاكمة والمحكومة بحقائق ومنهج، فالقصدية واضحة في كتابتهم فتجدهم إما سلبيين حاقدين أو إجابيين منافقين.. انتقدوا عروبة السعودية لإرضاء حزب البعث وصاغوا سلبيتهم بثناء على الناصرية، فخسرت الاثنتان، وبقيت السعودية شاهدة على خداعهم وكذبهم وتزويرهم..

(الإخوان المسلمين) لهم حكاية غريبة مع السياسة السعودية، فعندما كانوا مطاردين بسبب منهجهم الإسلامي كمعلمين وعلماء ودعاة حمتهم السعودية، ولما أرادوا استعارة ستار سياسي لتمويه أهدافهم السياسية المناقضة للدين والوطنية، كشفتهم المملكة وتحولوا لمشروع عنف حالف طهران وقبلها البعث للانتصار على السياسة السعودية، فخسروا الدرس العلمي والدور السياسي، وأصبحوا سماسرة يبحثون عن المال السياسي، في طهران هم عرابة تقارب المذاهب، بطريقة مقززة، ففي التسعينات وفدوا على طهران فصيل يتبع فصيلا، ليقتربوا من طائفية الملالي ويبشروا بها، والنتيجة تسلل إيراني طائفي في المنطقة تحت ذريعة الإخوان "تقارب المذاهب"، وهم في الحقيقة ساعدوا في تصدير الثورة الإيرانية بدون قصد، ولكم الأكيد والقصد أنهم كانوا يبحثون عن التمويل.. ويشاء الله أن يخسروا السياسة السعودية، ويخسروا بهذه الخسارة دورهم ومبدأهم..

واشنطن هي حكاية تشبه سياسيا حكاية الإخوان، خاصة في فترة حكم أوباما، فقد سوقت إدارة أوباما للاعتدال الإيراني وضرورة التفاوض معه، على حساب الاستقرار في المنطقة، وكان الجميع ينظر للمملكة بأنها دولة حائرة لا تعرف كيف تتخلص من التقارب الأميركي الإيراني؛ والحقيقة أن المملكة لم تكن في حيرة بل تثبيت وضع، تثبيت حالة الاستقرار في الخليج (البحرين نموذجا)، وتبني المعارضة السورية سياسيا، وضرب المشروع الإيراني في اليمن عسكريا، كل هذه الأدوار التي قامت بها المملكة لم يكن مرحبا بها من الإدارة الأميركية، فالسؤال العلمي هنا: كيف أدارت اختلافها مع واشنطن بدون أن تتنازل عن أدوارها؟ وكيف عاد بعض منتقدي دورها في السابق إلى سياستها؟ فالإجابة على هذين السؤالين بهما ملمح واحد من فهم السياسة السعودية، وهو أن الاختلاف مع الدول الكبيرة يجب أن يكون كبيرا، لا يصغر ولا يحل بالتنازل عن الأدوار، التقارب اليوم مع بعض وجهات النظر بين المملكة وواشنطن، ليس نتيجة لتغير الدور السعودي السابق ولكنه استكمالا له، فالتغير حدث في الإدارة الأميركية، فهل هذا سلبي عند وصف السياسة السعودية أم إيجابي؟.