ظرف العراق عام 2003 لا يمكن مقارنته بالظروف السورية عام 2017، فالعراق كان تحت حصار امتد 13 عاماً، وبقي موحَّداً، أما سورية الآن فإنها أرض مستباحة لداعش والنصرة وإيران، وحزب الله وروسيا، ولذلك فهي ليست موحَّدة فعلياً، ولا سيادة لنظامها على أرضها عملياً..

خان شيخون آلمت قلوبنا، والأكثر إيلاما أن يُحّمل الضحايا وزر قتلهم، فالرواية الروسية تذهب إلى أن أولئك الأطفال الرضع كانوا يُركِّبون مستحضرات سمية في معامل ومصانع كيماوية تديرها المعارضة أثناء القصف. اجتاحت المشاعر الإنسانية رغبةٌ في الانتقام من نظام الأسد وحلفائه، قابلها إحساس بالعجز. المذيعة في القناة الثانية الإسرائيلية التي سألت بألم واستهجان: أينكم يا عرب أينكم يا مسلمون أينكم يا «خونة»؟ تحولت إلى رمز بطولي يحييه العرب رغم أنها إسرائيلية. ولذلك فإن الضربة الصاروخية التي وجهتها القوات الأميركية بـ59 صاروخا من طراز توما هوك جاءت متماهية مع رغبة عارمة في أن ينتقم الله من بشار الأسد عاجلا غير آجل، وقد أجرى الله الفرج على يدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

الدول في عالم السياسة لا توزع صدقات لوجه الله، فالمواقف مخطط لها، وتداعياتها غير المنظورة مأخوذ بها في الحسبان، ولكن على صعيد المشاعر الإنسانية الغاضبة لم نملك سوى الترحيب بتأديب الأسد، ولو فعلتها إسرائيل في أوج سخطنا وهواننا على الناس لرحبنا بها كما رحبنا بعبارات المذيعة الإسرائلية «البطلة».

فهل كان الترحيب بتأديب الأسد يمثل تأييدا لغزو أميركي يلحق سورية بالعراق؟ وهل بشار الأسد ونظامه يمثلان المصلحة العربية والمساس بهما مساس بأرض عربية واستباحة لشرف دولة ذات سيادة؟ وهل يمكن أن تكون هبّة القومجيين واليساريين العرب ضد الضربة من أجل حماية مشروع الوحدة العربية من التدنيس؟ وكيف لهم ومعظمهم يعيش في أميركا وبريطانيا وفرنسا وبقية أوروبا أن يلوموا السعودية ودول الخليج على موقفها المؤيد وهم يتفيأون ظلال دول مسهمة فيها وداعمة للقرار الأميركي؟ الرجيع العربي عندهم مشكلة مع السعودية ودول الخليج، وهم لم يكونوا موضوعيين عندما يتعلق النقاش بمواقف هذه الدول ولن يكونوا في قادم الأيام. ولا أستغرب وقوفهم مع نظام الأسد وداعش والنصرة وإيران وحزب الله وروسيا في قتل السوريين ليبقى رمزهم القومي «التقدمي»، وإنما أستغرب أن ينحدر للمستنقع نفسه بعض الكتاب الآخرين بدوافع مختلفة لا أريد التكهن بها.

صدام حسين كان من نفس عجينة بشار الأسد البعثية، لا يختلفان وإن تباينت نكهة المخرج النهائي. مجزرة حلبجة -إن صحت نسبتها إلى صدام- تعتبر وصمة عار، حيث ازهقت أرواح حوالي 5000 إنسان. ومن جانب آخر فقد أعدمت إيران في عام 1988م أكثر من 30 ألف سجين سياسي في أسبوعين أو ثلاثة بتهمة النفاق، ولم يحرك النظام العالمي ساكنا.

ظرف العراق عام 2003م لا يمكن مقارنته بالظروف السورية عام 2017، فالعراق كان تحت حصار امتد 13 عاما، وبقي موحدا، أما سورية الآن فإنها أرض مستباحة لداعش والنصرة وإيران، وحزب الله وروسيا، ولذلك فهي ليست موحدة فعليا، ولا سيادة لنظامها على أرضها عمليا، كما أن الذين قتلهم النظام خلال ست سنوات ونيف يزيد على 600 ألف نسمة معظمهم من المدنيين، ناهيك عن ملايين المشردين واللاجئين. فهل يمكن لعاقل أن يقارن سورية بالعراق؟ وأيا كان الحال فإن السعودية لم تؤيد احتلال العراق ولم تسمح باستخدام أي من أراضيها في دعم الولايات المتحدة واعتبرت أن غزو العراق خطأ إستراتيجي كبير، وحذرت أيما تحذير من تفكيك الجيش العراقي.

بشار الأسد عندي لا يختلف مطلقا عن أبي بكر البغدادي، وبالمقارنة في الجرم فإن البغدادي ودواعشه لم يرتكبوا من الفضائع في سورية ما ارتكبه بشار ونظامه. كلا الفريقين إرهابي، وجريمة النظام أشد وأنكى من جرائم داعش. فليرفق بعقولنا من بقي من الرفاق الذين يجب أن يشعروا بالخجل من النظام ومن أنفسهم.