"زامر الحي لا يطرب" مثل شهير يقصد به أن مطرب الحارة لكثرة عزفه تتعود الآذان عليه، وبالتالي لا يطرب مهما فعل، ومهما بلغ من جودة وحسن، وعلى النقيض تمام يقال قديما "ما يحك جلدك مثل ظفرك" قولان يشعران المتلقي بكثير من التناقض خصوصا أنهما يلتقيان في منطقة مشتركة، فالأول يدعونا صراحة لاستيراد مطرب خارجي ليقوم مقام مطربنا ضاربين عرض الحائط بخلفية هذا الزائر الجديد أو ملاءمته لحارتنا، وفي الطرف الآخر يناشدنا المثل بأن نعتمد على أنفسنا في كل شيء فلن يعرف جلودنا وبواطنها إلا جزء من نفس الجسد ولن يتحمل قوة "الحك" إلا من يتقاسمان نفس الجسد.

رغم التنافض في الرسالتين إلا أن علينا أن نؤمن بأن لكل مثل قصة وظرف يختلف عن الآخر ما دمنا اتفقنا أن لكل مقام مقال فمن الطبيعي أن تختلف الأهداف والرسائل مع مرور الوقت حتى القناعات قد تتغير فلا شيء ثابت فيما يتعلق بالفكر والأفكار، فهي محصلة للمحيط الخارجي والثقافة التي ينهل منها المرء، إلا أن هذه الثقافة المكتسبة أو الموروثة قد تشكل عائقا حقيقيا أمام الإيمان بالذات، وتكبل العقول والمواهب.

مثل هذه القيود عايشناها وأدخلها البعض في عقولنا خصوصا في الجانب الإعلامي، فكان فضاؤنا وشركاتنا الخاصة حكرا على جنسية أو اثنتين زعموا أنهم يملكون قدرات خاصة في هذا الحقل، وخصوصا المرئي منه زاعمين بأن السعوديين والسعوديات لا يملكون "كاريزما الظهور" ونحن ببساطة صدقنا الكذبة وكبلنا مبدعينا فلم يظهر لنا إلا نوادر فقط من أشخاص أخذوا زمام المبادرة وأشعلوا هم فتيل السراج الذي أضاء الماضي ووصل نوره إلى المستقبل.

واليوم مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، زاد إصرار مبدعونا على الظهور معتمدين على بدايات بسيطة وإمكانيات تقنية ليست بتلك الضخامة، وما هي إلا فترة قصيرة حتى حلق هؤلاء في سماء النجومية الجادة بتقدميهم برامج حقيقية استطاعت في فترة وجيزة أن تنافس كل ذلك الزخم الإعلامي، نجاح هؤلاء جعل منهم مطلبا رئيسيا للشركات العالمية، فنشاهد كيف ينقل لنا سفراء التقنية آخر المؤتمرات الصحفية لكبريات الشركات وعلى الجانب الآخر نلمس التنافس الكبير بين المتخصصات في المكياج والموضة مع نظيراتهن من العالم والمقاطع المنتجة أثبتت أكثر من مرة القدرة الكبيرة التي بين أيديهن.

في كل مجال سواء الثقافي أو السياسي أو الرياضي والفني أصبح لدينا مجموعة من الأسماء البارزة التي استطاعت بتميز أن تعيد الكفة لصالحنا، وأن تجعل من الفضاء والشبكات الاجتماعية إعلاما سعوديا بكوادرنا.

هذا الزخم اليوتيوبي سابقا، والسنابي حاليا أعاد لنا كمؤسسات ومتلقين الثقة في أنفسنا وفي مخرجاتنا الثقافية والجامعية، فبدأ مفكرونا ومبدعونا يكسرون قوالب صنعناها سابقا ووضعنا أنفسنا بداخلها، تاركين الفضاء الإعلامي خصوصا لغيرنا، ليقول لنا ماذا يحدث ويملي علينا كيف نفكر.