أثناء قدوم المستشرق الالماني جوهن جاكوب هيس الى جزيرة العرب بدايات القرن الميلادي المنصرم صاحب كتاب بدو وسط الجزيرة تقديم وتحقيق د. محمد سلطان العتيبي كانت البلاد لا تزال تغرق ببقايا الشركيات والبدع والخرافات المتوارثة كالدعاء والنذر والذبح وصرف بعض أنواع العبادات الأخرى لغير الله وكان الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه - لا يزال يجاهد ويرسل المشايخ والدعاة وطلبة العلم الى القرى والهجر وأماكن تجمعات البادية صيفا عند موارد المياه لتنويرهم وتعليمهم أمور دينهم بمنهجه الصحيح.

ومن العادات والتقاليد التي تحدث عنها هيس عادات الموت والدفن عند بعض قبائل الجزيرة العربية فيذكر أن بعض البدو عند ما يرون الميت وقد اقترب أجله يرشون وجهه بالماء ويبدؤون تلقينه الشهادة "اشهد حقا لا اله الا الله, الموت أحق من الحياة" هكذا قال.

ووصف له أحد البدو عملية الدفن التي قال بأنها تبدأ بغسل الميت ولفه بالكفن ويختار قبره عند مكان فيه ماء وبعدما ينقل محمولا على النعش يوضع على جنبه الايمن ورأسه ووجه متجها لمكة وبعد اتمام عملية الدفن المعتادة تقام عليه صلاة الجنازة خلف المطوع بعد وضعه في القبر ووصف له وضع النصائب للمرأة والرجل ولكنه ذكر بأنهم يضعون حجرا كبيرا عند موضع الصدر بالنسبة لقبور النساء "لكي لا يخرجن من القبر"!!

ثم ذكر له انهم بعد عام على الاقل يعودون الى القبر ويبدؤون بإبعاد الحجارة الصغيرة "النواميس" عن قبور الرجال والحجر الكبير الموضوع عند صدر المرأة ويعتبرون هذا تخفيفا للقبر "خفف قبر أبوه" هكذا قالها هيس.

وذكر بأن النساء لا يذهبن للمقبرة للمشاركة في عملية الدفن ولا يمارسن أيا من الطقوس في البيت غير "الولوال" وهو صراخ الشكوى الذي يطلق عند وفاة القريب "واويلي ويلاه".

ثم يذكر أن الرجل الذي يقتل في المعركة عند بعض القبائل يدفن في بناء من الحجر يشبه سلة خلية النحل يسمى "زربة" وجمعها زرائب يوضع فيه الميت واقفا ووجهه باتجاه مكة, وذكر بعض الصيغ الدارجة والمستخدمة في ذلك "يدفنون المقتول في زريبة" أو "المذبوح زربوه في الزريبة" ووصف طريقة اغلاق القبر الذي يبلغ ارتفاعه في العادة بين 1-2 متر وقال: تغلق بواسطة بلاطة من الحجر وتوضع عليه كتلة بيضاء على شكل عمود يبلغ ارتفاعها نصف متر تقريبا تسمى "ناموس" وجمعها نواميس. ولا يوجد هذا النوع من القبور الا في المناطق الجبلية, في حرّة كشب وفي حرّة الطراة. ولا يوضع في القبور اسلحة أو أي هدايا أو أشياء أخرى. يذكر أن كلمة ناموس مرتبطة عند بعض أهالي الخليج بالفوز وتحقيق النصر ويعني ايضا الرفعة والعلو والتتويج.

وفيما يخص قبور الشيوخ الكبار والمحاربين الشجعان "الفرّيس" أهل الصولات والجولات فتوضع بحسب وصف هيس على قبورهم مجموعة من حجارة بيضاء ارتفاعها متر أو أكثر توضع بالترتيب وهي عبارة عن نصائب ونواميس وتنقش على الحجارة خطوط متوازية بعدد الرجال والخيول التي قتلها صاحب القبر في حياته.

بعد سبعة ايام من الوفاة حسب رواية هيس تذبح نعجة أو عنز وتكون دوما حيوانا متقدما في السن وبدون اسنان يقولون عنها "عودةٍ كافّة" لكي يتم التخلص من الشر أي المرض الذي أدى الى الوفاة "على شان ينكف الشر عنكم" يأكل الاقرباء والحضور الذبيحة والتي تسمى مثل وجبة الدفن "اسبوعية" ولا تكسر عظام الذبيحة مثلها "على شان يركبها الميت"!! بل توضع جميعها كاملة فوق القبر. وإذا ما كان القبر بعيدا تطمر تحت حجر.