لم يتخط ربيعه الرابع عشر إلا أنه كان مضطراً للعمل، ترك دراسته واتجه ليساند أسرته الفقيرة، حتى انتهى به المطاف بائعاً في متجر ملابس جاهزة، ليمسي المسؤول عن توصيل الملابس للزبائن الأثرياء.

بعد عامين من الكد صار "أمانسيو أورتيغا" مساعداً لخياطي الشركة، ليكتسب خبرة إضافية في مراحل إنتاج الملابس، وهكذا من محل إلى آخر، حتى صار مديراً لمتجر ملابس في "لا كورونا" الإسبانية، غير أن عينه الثاقبة كانت ترقب المشهد وتحلّل ما يراكمه من خبرة؛ لاحظ أن معظم الأزياء تصمم وتخاط ليشتريها الأثرياء فقط، وأن من دون ذلك ليس له سوى الملابس العادية التي تنتج متشابهة وبكميات ضخمة! تولّدت لديه فكرة إنتاج أزياء فاخرة بأسعار رخيصة! ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟

بالتأكيد لا بد من تخفيض تكلفة الإنتاج، لذا أضحى يمضي يومي نهاية الأسبوع في منزل عائلته لتصميم أزياء حديثة، ومحاولاً تقطيع مجموعة أقمشة رخيصة يدوياً دون معدات الخياطة، وما هي إلا فترة قصيرة حتى نجح في بيع أول مجموعة ملابس نوم من تصميمه وتنفيذه بأسعار زهيدة، وهكذا عمل لسنوات حتى استطاع من أرباحه ومن راتبه المُدخر امتلاك أول مصنع ملابس وهو لم يتخط 27 عاماً!

مصنعه الأول كان مخصصاً لأردية الحمامات، ومنه انطلق نحو التوسع المتسارع، وخلال عام واحد استطاع افتتاح أول متجر يحمل العلامة التجارية "زارا"، في أشهر مجمع تجاري في بلدته "لا كورونا"، لأنه واعتماداً على خبرته الأولى في تكاليف تصنيع الملابس أدرك أنه لا بد من تخفيضها بأي طريقة، فقرر تجاوز الموزعين وتجاهل الإعلانات، وركز على تملّك جميع مراحل الإنتاج والتوزيع، ليحقق هدفا ألا تتجاوز دورة تصميم وتصنيع الملابس، ثم توزيعها على الأسواق 15 يوماً!

سرعان ما ذاع صيت "ألبسة الموضة بأسعار رخصية"، وهي ما كانت مستخدمة في متاجر "غاب" الأميركية و"نكست" البريطانية، لكن فكرة "زارا" كانت جديدة على السوقين الإسبانية والأوروبية لاحقاً، ناهيك عن سيطرة سلاسل متاجر لم تهتم بتلبية الجيل الشبابي الصاعد، وهكذا توسعت متاجر "زارا" وخلال سنوات أطلق "أورتيغا" علامات تجارية أخرى لتلبية شرائح متنوعة من المجتمع، كلها تتمحور حول فكرته: "جعل الموضة أكثر ديمقراطية"، ليضيف وهو ابن عامل سكة الحديد: "بعكس فكرة أن الموضة هي حق الثري، نحن نقدمها لتملس جميع طبقات المجتمع".

بالتأكيد أن سر نجاحه ليس أنه بدأ من قاع المهنة حتى قمتها كما الكثيرون! بل لأنه التقط المختلف منذ البداية وجاهد لنجاحه، حتى أضحى اليوم أثرى أثرياء الأرض وهو مجرد مساعد خياط.