لا أعتقد أنك تعرفه..

فهذا المهندس كان يعمل في شركة فولفو السويدية ويعد مخترع حزام الأمان الحديث في السيارات.. رجل نبيل بمعنى الكلمة كونه تخلى عن حقوقه المادية وتبرع بفكرته لصالح البشرية جمعاء.. بفضل اختراعه للحزام الثلاثي أصبحت السيارة أكثر أمانا، ونجح في إنقاذ ملايين الأرواح التي لا يعرفها شخصيا ــ ومع هذا لا نعرف نحن اسمه مقارنة بجزارين مشهورين كنابليون وهتلر وجنكيز خان وبشار الأسد.

لو أن بوهلين سارع لتسجيل براءة اختراعه، أو باعه على بقية الشركات، لدخل قائمة أغنى أغنياء الأرض.. لن تكون أي شركة قادرة على رفض شرائه (وبأي سعر يطلبه) إن لم يكن بسبب حرصها على إنقاذ الركاب، فــبسبب سمعتها التي ستنحدر مقارنة بالشركات التي أبدت اهتماما بسلامة الركاب.

والحقيقة هي أي مخـترع (يقدم ابتكارا نوعيا مفيدا) يمكنه تحقيق ثـروة كبيرة من اختراعه.. يمكنه فعل ذلك إمــا من خلال إنشاء شركته الخاصة (كما فعل تاناكا توشيبا والفريد نوبل وستيف جوبز) أو من خلال بيعه على الشركات المعنية بمبالغ طائلة (كما فعل مخترع الليزر والثلاجة وماكينة تصوير المستندات).

وتحصيل الثروة من الاختراع حـق مشروع وغير مستهجن ويفعله 99% من المخترعين حول العالم.. قلة قليلة فقط لم تفعل ذلك إمـــا لأنها تملك نظرة إنسانية نبيلة (مثل بوهلين) أو لا تهتم بالمال (كمخترع الماوس) أو ببساطة لا تعرف كيف تستثمر إنجازاتها الرائدة (كمخترع الإنترنت).

من الفـئة الأولى (التي جمعت ثروة طائلة) يمكننا اختيار مخترع الليزر جوردن جولد الذي جمع 9 مليارات دولار، ومخترعة ماسحات الزجاج ماري أندرسون التي جمعت 3 ملايين دولار، ومخترع الكمبيوتر الشخصي ستيف جوبز، ومصمم أول برنامج شخصي بيل جيتس (وكلاهما دخل قائمة أغنى أغنياء العالم في سن صغيرة).

أما من الفئة الثانية (الفئة النبيلة التي لم يغرها المال) فيمكننا اختيار مكتشف شلل الأطفال جون سالك الذي أنقذ حياة الملايين ورفض تسجيل حقوقه المادية قائلا: "كيف يمكنك حرمان الناس من ضوء الشمس".. وتيم تـيرنرز الذي يعد المخترع الحقيقي للإنترنت (التي بكل ثرائها وحجم الأعمال فيها لم تمنحه قرشا واحدا).. ودوجلاس كارل الذي اخترع فأرة الكمبيوتر ولم يسجلها لتسهيل استعمال الكمبيوتر على ملايين الناس.. وطالب الهندسة الألماني كارزهنز الذي ابتكر صيغة التشغيل الصوتية MP3 ولكنه فضل توزيعها كحق مشاع.. وأخيرا ــ وليس آخرا ــ الإيطالي أنطونيو مينوتشي (المخترع الحقيقي للهاتف) الذي مات فقيرا ولم يسجل اختراعه الجديد.

أيها السادة؛

سبق وكتبت مقالا بعنوان "لماذا أحب أديسون؟" قلت فيه:

.. أحب أديسون (وكل مخترع عظيم) لأن قيمة الإنسان تساوي مجموع أفضاله على الناس.. لأن أهميته في الحياة تنبع من أهمية ما قدمه للبشرية جمعاء.. لأن منزلته في الحياة توازي إضافته للرصيد الإنساني والإنجاز الحضاري.

.. في ذلك الوقت لم يفهم أحدهم الفكرة وعلق قائلا: "يحشر المرء مع من يحب"، فـأجبته (خير الناس أنفعهم للناس).. حديث صحيح.