جاءت التنظيمات الجديدة للحد من ظاهرة التعصب الرياضي التي استشرت وزادت حدتها في الأعوام الأخيرة لتعيد الأمل للكثيرين في وضع حدٍ للانفلات الواضح بمشاركة من الجهات ذات العلاقة كافة وفي مقدمتها وزارة الداخلية ووزارة الإعلام وهيئة الرياضة.

لا شك أنَّ مساحة الحرية المتاحة في وسطنا الرياضي نعمة انقلبت بسبب البعض إلى نقمةٍ تكاد تُخرج الرياضة من منطقتها المشروعة إلى مناطق محظورة تنسف كل أهدافها السامية والراقية، وبقدر ما نتمنى أن تبقى هذه الحرية متاحة في حدود النقد البنَّاء، بقدر ما نتمنى أن يكون للتنظيمات الجديدة دورٌ فاعلٌ في تقنينها وكبح جماح من استغلها لأهدافٍ رخيصةٍ من دون وازعٍ من دين أو أخلاقٍ أو ضمير!.

في المقابل، لا يجب أن نركز على ردة الفعل ونتجاهل الفعل نفسه، ونلقي باللائمة كلها على الإعلام الرياضي مع ما فيه من تجاوزات، من دون أن نلتفت للفعل نفسه، فالإعلام الرياضي بكل قنواته هو صدى لما يحدث، ولهذا لا يجب أن نضرب بيدٍ من حديد على هذا الإعلام، ونتجاهل كل العوامل والمعطيات الأخرى التي تثير التعصب وتغذيه!

أخطاء مسؤولي الرياضة لها دور في إثارة الجماهير والإعلام، ومسؤولو الأندية وما تبثه مراكزها الإعلامية أحيانًا من بيانات رسمية متشنجة مكتوبة بنفس المشجع المتعصب لها دورٌ أيضًا في تحريك مياه التعصب الراكدة، وتصريحات وتصرفات رؤساء الأندية المتشنجة وغير المسؤولة لها دورٌ واضحٌ في إذكاء روح التعصب ومنح جماهير تلك الأندية شعورًا بوجود مظلومية كاذبة وعدالة غائبة، وقرارات بعض اللجان وعقوباتها المتناقضة والمتفاوتة تعطي المجال للكثير من الجدل المغذي للتعصب، وما يطرحه المحسوبون غير الرسميين على الأندية من شرفيين وشخصيات اعتبارية واجتماعية في الإعلام ومواقع التواصل لا يقل خطرًا عما يطرحه الإعلامي الرياضي المتعصب، وأثرياء القنوات الفضائية الذين ينتجون برامج رخيصة ويحتضنون كل رموز التعصب لهم دورٌ، كل هذه العوامل وأخرى كثيرة لا مجال لحصرها يجب أن يكون لها نصيبٌ من الدراسة والبحث والسيطرة إذا ما أردنا أن نضع حدًا للتعصب الرياضي والانفلات الإعلامي والجماهيري!.

لا بد من دراسة ظاهرة التعصب الرياضي وأسبابها والحلول الكاملة لعلاجها والحد من خطورتها، من دون أن نحمِّل الإعلام الرياضي وحده مسؤولية الحالة التي ساهم فيها المسؤول ورئيس النادي وعضو الشرف ولجان اتحاد القدم والحكم واللاعب والمدرب، وهذا لا يتعارض مع اعترافي بوجود انفلات إعلامي يستحق الردع، ولا يمنعني من إظهار فرحي وسروري بالتنظيمات التي تكتمل روعتها بجودة وجدية التطبيق.