ملفات خاصة

الاثنين 21 جمادى الآخرة 1438 هـ - 20 مارس 2017م

الوعي.. معركة عليك أن تخوضها!!

عبدالله القفاري

السيطرة الذهنية للجماعة أو الطائفة أو التيار.. تقف سدا منيعا دون بناء وعي إنساني متجاوز لمنظومة رسخت في بعض العقول حتى لم تبق مساحة أخرى لمفاهيم جديدة طالما استبدت بالمكان والزمان وصارت أيقونة الحياة ومصباحها..

غياب الوعي أو تشوهه أو صناعة نقيضه، لن يقود المجتمعات إلا للتردي وتراكم العلل وتفشي الظواهر السلبية.

هل هناك من يجادل في هذا؟ ربما لا أحد. لكن السؤال الأكثر أهمية ما هو هذا الوعي؟ وما هي الأدوات اللازمة لبنائه، وكيف يمكن وضع ملامحه وقسماته في مجتمعات مازالت تتساءل أين الطريق؟

ولأن الأسبق إلى ملء رأس الإنسان، هو الأقدر على التحكم به. وأن الأسبق إليه هو من يشكل ملامحه الأولى وربما الأخيرة.. فليس ثمة شك بأن التربية الأولى والتعليم الأول والنماذج الأولى.. هي المؤثر الأكبر في سياق تكوين ذلك العقل، ما لم يتعرض لمؤثرات أخرى شديدة الجذب لتخرجه من إطار التسليم المطلق إلى التساؤل الحاد.. وهذا لن يكون متاحا بسهولة وليس ممكنا لأي كان.

لنعد للسؤال الأول: ما هو الوعي؟ ومن يملك حقوق تصنيفه ووضع قسماته وملامحه؟ وهل هو ثمرة السياق والناتج الاجتماعي.. أم منهج التعليم.. أم الأسرة.. أم وسائل التثقيف والحياة المتعددة والمتنوعة؟

وإذا كان الوعي منظومة قيمية متكاملة تدفع بمنطق سلوك واختيار وأسلوب حياة ومعاودة دائمة للتفكير والتقدير والتصويب والترشيد.. فإنها ستكون مهمة شاقة أن يرمى عبئها على جهة وحيدة.. فكيف بتأثير من يتوسم فيه المساهمة في صناعة الوعي عندما يتحول إلى معطل للوعي أو يسوقه باتجاهات لا تقارب الوعي قدر ما تقارب نقيضه، حتى لو كان على حساب المجتمع والقيم الفضلى.. بل والمستقبل برمته.

عندما يتحول التعليم إلى فك الأبجدية وتعظيم فكرة التلقين والمحفوظات واجترار المقولات، فهل يصنع هذا وعيا؟ وعندما تتحول حملات الترشيد أو التوعية إلى منشورات موسمية تمر مرور الكرام بلا أثر فهذا هذا يصنع وعيا؟ وعندما يتحول الفن والمسرح إلى مجرد حفلات تهريج ومهرجين.. فهل يصنع هذا وعيا وجدلا منتجا؟ وعندما يندر أن تجد كتابا في موسم الكتاب الوحيد كل عام.. يحرك هذا الخامل ويهتك أستار ركام الكتب التي بعضها يبيع الوهم أو يقدم أنصاف حقائق أو يزين واجهته غلاف برع الناشر في سك عنوانه وأهمل مضمونه وبنيانه.

وقد يبدو الوعي هلاما وشيئا من الصعب الإمساك به.. فالوعي عند البعض ليس هو ذاك عند الآخر.. وعلى الرغم من القيم الإنسانية المشتركة بين البشر.. إلا أن السيطرة الذهنية للجماعة أو الطائفة أو التيار.. تقف سدا منيعا دون بناء وعي إنساني متجاوز لمنظومة رسخت في بعض العقول، حتى لم تبق مساحة أخرى لمفاهيم جديدة.. طالما أن تلك استبدت بالمكان والزمان وصارت أيقونة الحياة ومصباحها.

وقس على ذلك الاضطراب الكبير بين النظرية والتطبيق.. فمن النادر أن تجد من يعارض قيما إنسانية عليا وحقوقية فضلى.. ولكنه يطأها بقدمه ما إن تسنح له الفرصة طالما أن مصلحته الشخصية لا يمكن تحقيقها إلا عبر جثة الوعي، الذي طالما ادعاه أو هام مع مفرداته أو سبح مع آخرين حولها.. حتى إذا تكشفت الأمور، تبدى ظلاميا متجاوزا أكثر من أولئك الذين طالما هجاهم وأوقد فيهم حرائقه.

إن أعظم الوعي هو الوعي بحق الإنسان في الحياة، وأجمله وأرقاه أن ترى حقك في حقوق الآخرين، وأن عالمك الداخلي لن يستقيم له طريق طالما تسيد الظلم والحرمان. وأبلغ الوعي أن تعي أي عالم تعيش فيه؟ وما هو مكمن الاضطراب في حياته وشؤونه، وأن تكتشف الزيف قبل أن تنعي الخراب. وأن تعي المواقف بموضوعية وحذر لئلا تكون أداة في يد من يريد تزييف الوعي.

سيكون جميلا أن تعي كيف تهتم بصحتك وطعامك وشرابك، وتحاذر الأمراض وتقاوم الآفات، وسيكون أجمل أيضا إذا أبصرت عقدة التوقف، وهذا النزيف الطويل للقدرات والإمكانات بلا طائل أو جدوى.. وسيكون عظيما هذا الوعي لو استغرقت في تفكيك بنية التراجع والخمول لتبحث عن العلة في التخبط والإحباط ونذر السوء.. وسيكون فاعلا هذا الوعي إذا استطعت أن تقاوم بعض الزيف باسم الوعي.. والذي طالما حسبه الظمآن ماء.. بينما هو سوى سراب يجر سرابا.

ومن الوعي أن تدرك أن الحقيقة ليست متاحة بسهولة وليست ناجزة لك وحدك، وأن لدى الآخرين أيضا رؤى تتطلب الفهم والتقدير.. وأن الفضائل الكبرى والقيم العظمى تتجسد أيضا في محاولة الإسهام فيما منحك الله من موهبة وقدرات.. لا إشعال الحرائق في ثياب خصوم ليسوا بخصوم.. والابتهاج بالخراب.. بينما تتجاهل أو تجهل أين ومع من يجب تكون مدافعتك الدائمة.. ومعركتك الأهم.. وهي ليست معركة سهام وسنان وقمع وإلغاء وتشويه واتهام.. وإنما هي لوجه الحقيقة والإنصاف والمعنى المفقود.

لا توجد جمعية أو مدرسة أو ندوة أو كتاب سيمنحك الوعي جاهزا معلبا مكتمل الأركان.. فهذا محال.. الوعي معركة عليك أن تخوضها بنفسك.. لتكتشف كيف لك أن تتلمس ملامحه رويدا رويدا.. ولترى أيضا بلا لبس الفارق بين الوعي الزائف والوعي المنتج.. ولتدرك أن ثمة طريقا للحياة أرقى وأجمل.. ستراه فقط عندما تقدح شرارة الوعي في رأسك.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 0

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة



كاتب وباحث علمي، متخصص بعلم الفيزياء والاعلام العلمي. كتب في العديد من الصحف الدولية والمحلية.. صدر له العديد من الكتب منها كتب تخصصية ومنها كتب فكرية وثقافية عضو الجمعية السعودية لكتاب الرأي، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

عبدالله القفاري

للاشتراك بقناة (حول العالم) أرسل الرقم 10 إلى 808588‎ للجوال، 616655 لموبايلي، 707707 لزين

مساحة إعلانية