هل تعرف ما هو أكبر جهاز علمي صنعه الإنسان؟ وهل تعرف ما هي أضخم تجربة علمية؟ وما هي أبلغ التجارب العلمية تعقيداً؟ قد تظن أن كل صفة من هذه الصفات ترتبط بتجربة علمية مختلفة، ولكنها في الواقع صفات جمعتها تجربة علمية واحدة اسمها "المصادم الهادروني الكبير".

مكان هذه التجربة هو معمل سيرن في سويسرا وقد نشأ هذا المعمل في الخمسينيات الميلادية كاتفاق بين عدد من الدول الأوروبية، أما اليوم فإنه معمل تشترك فيه عدة دول في مختلف أنحاء العالم بصفات اعتبارية مختلفة، منها دول تسهم في النفقات المالية للتجربة بملايين الدولارات سنوياً، ومنها دول وقعت اتفاقيات تساعدها في الاستفادة من بعض خبرات هذا المعمل الكبير ومنها المملكة.

لتدرك ضخامة التجربة فإنها تشغل نفقاً دائرياً عمقه 100 متر تحت الأرض، ومحيطه 27 كليو متراً، وهو يربط بين ضاحية سويسرية قريبة من مدينة جنيف، وقرية فرنسية جميلة.

في ذلك النفق تكمن تقنيات خيالية التعقيد، من مَغَانِط (جمع مغناطيس) فائقة التوصيل صنعت خصيصاً للتجربة، ونوع خاص من الهيليوم السائل، والذي يستخدم في تبريد النفق إلى درجات حرارة أقل من درجة حرارة الفضاء الخارجي.

أما المعلومات التي تصدر عن التجربة فهي ضخمة لدرجة أن كمية المعلومات في يوم واحد من عمل التجربة تملأ 210 آلاف قرص DVD!

ويحتوي هذا النفق على بضعة أجهزة ضخمة أخرى تسمى "كواشف". بعضها كبير جداً لدرجة أنه يشغل مساحة لا بأس بها من ملعب كرة قدم (ربع الملعب أو أكثر).

إذا كانت هذه المعلومات صادمة، فلا شك أنك ستصدم (فكرياً) إذا عرفت ما تدرسه هذه التجربة! إنها تدرس أصغر شيء عرفه الإنسان، وهي الجسيمات الأولية التي تتركب منها المادة. ولكي تميز بين ضخامة التجربة وصغر الجسيمات الأولية التي تدرسها، فإن الجسيم الأولي يشغر حيزاً يصغر هذه النقطة (.) بنحو ألف تيريليون مرة.

العجيب في الأمر هو أن الإنسان اكتشف -من خلال الفيزياء- أن دراسة أصغر الأشياء تتطلب أكبر الطاقات وأضخم الأجهزة، فكانت تجربة المصادم الهادروني الكبير هي أهم ما عمله الإنسان في سبيل اكتشاف أعماق المادة.

أخيراً، عجائب هذه التجربة لا تنتهي، فهي وإن كان دافعها علمياً معرفياً (وليس علمياً تطبيقياً) فإنها أنتجت العديد من التطبيقات المفيدة المستخدمة في مجالات الطب، والمعلوماتية، والتقنية، والبيئة والطاقة، والصناعة!