لم تكن نهاية الحرب مع العراق بالحدث الذي يمكن تمريره دون اتكاء على عواقبه المدمرة على النظام، ولذلك نوقش خياران رئيسيان؛ أولهما القضايا المحلية، والثاني بسط الهيمنة عن طريق تصدير الثورة..

تبذل المقاومة الوطنية الإيرانية (جماعة مجاهدي خلق) جهدا كبيرا في وضع الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الراعية للإرهاب. وتقدم الجماعة دراسات مكتملة بقرائن وأدلة أمام المنظمات والدول التي بيدها حماية الإيرانيين والمنطقة من بطش هذا الكيان الذي تتشكل منه مليشيات وتنظيمات إرهابية تنتشر في الدول المحيطة، وخلايا نائمة تنشط من حين لآخر عندما تتلقى توجيهات من المركز الرئيس.

تشكّل الحرس كقوة عسكرية مؤدلجة خارج نطاق الجيش النظامي لحماية ولاية الفقيه وتتلخص مهمة هذه القوة «حصرا في القمع الداخلي والتدخل في شؤون الدول الأخرى وذلك بهدف توسيع نفوذ النظام الإيراني». إن القمع المحلي، وتصدير الإرهاب والتطرف هما ركيزتان أساسيتان لبقاء نظام الملالي في الحكم.

إن ولاية الفقيه التي بشّر بها الخميني من منفاه في العراق تعني الحكم المطلق لرجال الدين، بقيادة مرشد أعلى للدولة يدعي أنه «وريث النبي ونائب الإمام الثاني عشر للشيعة»، ويعتقد أن يتمتع بسلطة وصلاحيات مطلقة على شؤون الأمة الاسلامية قاطبة لأنه لا يعترف بأيّ حدود جغرافية بين الدول الإسلامية. وبناء عليه فإن الهيمنة والتوسع هما أساس الأمن الوطني في نظره، وهو ما يبرر النص عليه صراحة في ديباجة دستور النظام «ومع الالتفات لمحتوى الثورة الإسلامية في إيران -التي كانت حركة تستهدف النصر لجميع المستضعفين على المستكبرين- فإن الدستور يُعدّ الظروف لاستمراريّة هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلائق الدولية مع سائر الحركات الإسلامية والشعبيّة حيث يسعي إلى بناء الأمة الواحدة في العالم.. ومواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم». وهذا يعني عدم الاعتراف بالدول ذات السيادة حيث يتم تخطيها إلى مكونات داخل تلك البلدان. ووصف محمد جواد لاريجاني في عام 1989 سياسة بلاده الخارجية بقوله: «لدينا قدرة على قيادة العالم الإسلامي لا يتمتع بها بلد آخر. وهذا هو دور إيران التاريخي». وهذا التوجه النرجسي يفسد أي محاولات للتقارب، لأن ولاية الفقيه تعتبر علاقاتها الحسنة مع دول الجوار مجرد خيار تكتيكي ريثما تتهيأ ظروف مواتية للوفاء بمعتقداته.

والحديث عن طبيعة النظام ويقينه الاستراتيجي يؤدي بالضرورة إلى «الحرس الثوري الإسلامي» الذي تأسس بعد ثلاثة أشهر من قيام الثورة. والتسمية لا تعترف بجغرافية الدولة على اعتبار أن «ولاية الفقيه تتجاوز الحدود الجغرافية لإيران»، لأنه أداة مرتبطة مباشرة بالولي الفقيه من أجل إقامة «الخلافة الإسلامية» في الخارج والمحافظة على روح الثورة بقمع الداخل الإيراني. وفي هذا الصدد ذكر العميد في الحرس الثوري أحمد غلام بور وهو من القادة السابقين للحرس، في مقابلة مع وكالة فارس بأن: «واجب الجيش هو حماية الحدود الجغرافية لإيران ولكن الحرس الثوري ليس في تسميته كلمة (إيران). وهذا يعني أنه يسعى للدفاع عن الثورة الإسلامية وإنجازاتها دون اعتبار حدود معينة، وهذا يضاعف العمل والمسؤوليات الملقاة على عاتقه»، مضيفا بأن «الحرس الثوري الإيراني يرى أن من واجبه التدخل في أي منطقة حيث يستشعر بخطر على الثورة. لدينا يد حرة ومفتوحة للانخراط في أي موقع جغرافي وأي مسألة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية».

لقد كان العراق بحدود مع إيران تقدر بـ 1200 كلم، ومكونه الشيعي الأضخم، ووجود عدد من المراقد الشيعية المقدسة على أرضه هدفاً مثالياً للخميني. ومنذ اليوم الأول من الحرب بين إيران والعراق في عام 1980، وصف الخميني الحرب بأنها «نعمة إلهية»، ولم يفرط في تلك النعمة حتى بعد أن انسحب العراق من الأراضي الإيرانية في يونيو 1982 بإصراره على مواصلة الحرب، زاعما بأن «تحرير القدس يمر عن طريق كربلاء». لقد أسهمت حرب السنوات الثمان في «تعزيز أركان حكم ولاية الفقيه وتبرير التدابير القمعية الداخلية واعتبار جميع الأزمات والتحديات نتيجة للحرب»، ومع ذلك فقد اضطر إلى تجرع «كأس السم» بقبول الهدنة منتصف عام 1988م. وكانت الخسائر الإيرانية «مليون قتيل ومليون مصاب ومعوق.. وفقدان ما بين 3 إلى 4 ملايين إيراني منازلهم» وأصبحوا مشردين.

لم تكن نهاية الحرب مع العراق بالحدث الذي يمكن تمريره دون اتكاء على عواقبه المدمرة على النظام، ولذلك نوقش خياران رئيسيان؛ أولهما القضايا المحلية، والثاني بسط الهيمنة عن طريق تصدير الثورة، وكان الخيار الأخير هو المفضل. ولتحقيق الهيمنة عمد النظام إلى إعادة تنظيم مؤسساته العسكرية فأنشأ قوة القدس الإرهابية في عام 1990، واعتبرت «نواة الجيش الإسلامي الدولي»، ووضع علي خامنئي على رأس هذه القوة بعض القادة المتمرسين من ذوي الخبرة من الحرس الثوري سيما أولئك الذين قادوا في السابق عمليات خارج الحدود الإقليمية، ومن ثم «أنشأت وحدات خاصة وقواعد للبلدان ومناطق معينة من أجل تنظيم الأنشطة الإرهابية الخارجية للنظام». وبتخويل اختصاصي من الحرس الثوري تسيطر قوة القدس على السياسة الخارجية للنظام وتخضع الدبلوماسيين في السفارات لتوجيهات الحرس الثوري وينفذون أوامره في تلك البلدان.

ويختار سفراء النظام في بلدان مثل العراق وسورية وأفغانستان من قادة قوة القدس أو من المقربين من الحرس الثوري الإيراني، وكان أول سفير لطهران بعد احتلال العراق عام 2003م هو العميد في الحرس الثوري حسن كاظمي قمي، وفي عام 2011م خلفه العميد في الحرس الثوري حسن دانايي فر الذي عمل سابقا نائب قائد القوات البحرية للحرس الثوري. وفي يناير 2017م عين العميد في الحرس الثوري ايرج مسجدي، رئيس مكتب شؤون العراق في الحرس الثوري ومساعد قائد قوة القدس قاسم سليماني سفيرا للنظام الإيراني في بغداد.

وبالإضافة إلى السيطرة المباشرة التي يمارسها الحرس الثوري الإيراني على بعض السفارات «يعمل ضباط فيلق القدس تحت غطاء الملحقين العسكريين لتنفيذ سياسات النظام في تلك الدول»..

وللحديث بقية..