إعلان المركز في ماليزيا سيسهم في وضع أجندة سعودية - ماليزية ذات بعد قيمي تعتمد على خبرة عالمية متراكمة في منع واحتواء وحل الصراعات، والمساعدة في بناء مؤسسات المجتمع المدني

الإعلان في ماليزيا عن تأسيس مركز الملك سلمان العالمي للحوار يعد مبادرة حضارية متقدمة لمؤازرة مؤسسات الدولة الرسمية ومساندة أذرع السياسة الخارجية. ويخيل لي أن المركز سوف يبرز قناعة سعودية راسخة في الجنوح للسلام باعتباره خيارا إستراتيجيا مهما في السياسة السعودية.

المركز يقف على أرض صلبة من المبادرات والجهود، بعضها يعود إلى عام 1981م حين أعلنت مبادرة السلام التي اقترحها الملك فهد - رحمه الله - وتحولت في قمة فاس سنة 1982م إلى مبادرة عربية، تلتها مبادرة السلام التي دفع بها الملك عبدالله -رحمه الله - والتي بدورها تحولت إلى مبادرة عربية في قمة بيروت سنة 2002م. كما نجحت المملكة في التوصل إلى اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية في لبنان، واستضافت السعودية غير مرة الفرقاء الأفغان وساعدتهم على تبني نهج التوافق واختيار منهج السلام من أجل أن يعم الأمن والاستقرار أفغانستان، وجمعت المملكة الفرقاء العراقيين بمختلف طوائفهم في عام 2007 لوضع مبادئ الخروج من مستنقع الدم المسفوك والقتل على الهوية الطائفية، وجمعت المملكة الأشقاء في فلسطين في مكة المكرمة حيث وقع اتفاق مكة فيما بين منظمتي حماس وفتح عام 2008م. وغير ذلك من الجهود السعودية المعلنة وغير المعلنة التي تهدف دوما إلى إشاعة روح السلام والعمل من أجله. وعليه فإن المبررات الموضوعية والتجـــربــة السعودية، تدعمان نجاح المبادرة إن شــــاء الله.

وفي سياق مبررات الجدارة يمكن الإشارة إلى خدمة الحرمين الشريفين، والنظام السياسي المستقر، والقوة الاقتصادية الكبرى، والتأثير في القرار العالمي، وقد حان الوقت أن يكون للمملكة قناة تواصل غير رسمية تهتم بالسلم العالمي دراسة وبحثا وتدريبا واستشارة وتثقيفا وتشجيعا. وبالتوازي مع أوسمة الجدارة فهناك إجماع لا يداخله شك بأن العالم اليوم يغرق في الصراعات، ويمكن ملاحظة سباق تسلح لا يبشر بانفراج وشيك، ناهيك عن الإرهاب وما يمثله من خطر على السلم العالمي والمجتمعات المدنية الآمنة، وهناك قلق في كل مكان. مجمل المتغيرات من حولنا تشكل حاجة ملحة لبعث الأمل وتشجيع التفاؤل وبث الإيجابية في العمل والتفكير. وعندما تقدم المملكة العربية السعودية هذا المركز للعالم فإنها تسهم بخدمة جليلة في توصيف المشكلات والعمل على حل النزاعات. وسيكون رسالة سلام موجهة للعالم بأقطاره ودياناته وأعراقه. وسيمثل توجها علميا جديدا لاعتماد البحث والتعليم والتدريب أدوات لحل المشكلات بعيدا عن الحروب أو العواطف والانفعالات والتشنجات التي تقود إلى النزاعات أكثر منها إلى السلم والأمن. ومعلوم أن الحرب تقود إلى أخرى، وأن السلام يؤدي إلى السلام.

إعلان المركز في ماليزيا سيسهم في وضع أجندة سعودية - ماليزية ذات بعد قيمي تعتمد على خبرة عالمية متراكمة في منع واحتواء وحل الصراعات، والمساعدة في بناء مؤسسات المجتمع المدني ودعمها من أجل التثقيف والتوعية بأهمية السلام والوسائل المؤدية إليه. كما يتيح تدريب الممارسين المحترفين على إدارة الصراع وأساليب حله، مع أهمية توظيف مناهج التعليم العام والجامعي في نشر ثقافة السلام وبناء مهارات صناعته لدى أجيال المستقبل. وسيعمل المركز على إحاطة السياسيين والأكاديميين، ورجال ووسائل الإعلام بطبيعة الصراعات الدولية المعاصرة وكيفية إدارة القائم منها، وسبل حلها، والطرق الكفيلة بمنعها مستقبلا.

وبذلك فإن مركز الملك سلمان للسلام العالمي سيسهم في توطين الخبرة العالمية في مجال ثقافة السلام وحل الصراعات وإدارة النزاعات. وسيعمل على تطوير كوادر وقيادات مستقبلية تسهم في إحلال السلم العالمي وتنخرط في المنظمات والمؤسسات ومراكز البحث الدولية لتنشر رسالة السلام من أجل تغيير وجهة النظر السائدة والظالمة عن بلادنا وعن الإسلام.