يعشق العبقري الإبداع، ويولع بالابتكار، ويثابر من أجل أن يرقى بمجتمعه للريادة في شتى العلوم والمعارف، فهو لا يستطيع أن يفصل ذاته عن أحداث عصره، أو أن ينأى بنفسه عن قضايا مجتمعه وفي الوقت ذاته تعتريه نبرةُ أسى وشجى متى ما استشرت بين أوساط مجتمعه مخايل الانحطاط، وتلاشت من ساحة الواقع مقومات الرقي الحضاري. يرسم العبقري مجتمعاُ مثالياً في مخيلته يريد له الحياة الكريمة فإن تعذَر ذلك لغياب معطيات التميز أو فقدان مقومات المثالية آثر العزلة الاجتماعية، وعاش حالة صراع الأضداد الداخلي وذلك لأنه يتأرجح بين الانفتاح ليوصل صوته ورأيه لمجتمعه أو الانغلاق والعزلة بسبب رواسب مجتمعه الفكرية والسلوكية التي تقف حائلاً دون تحقيق مآربه. إنها حالة تُشكل قلقاً في ضمير العبقري وتنتهي به لأن يصبح تحت وطأة التوحد الاجتماعي والانطواء الذاتي وهذه مرحلة مرَ بها جمهرةٌ من العباقرة أمثال أبي العلاء المعري (الملقب بعبقري المعرة) وألبرت أينشتاين ونيوتن العباقرة ولا علاج لها فكم أعيت هذه الظاهرة الحكماء وحيَرت العلماء وأذهلت الأدباء.

فالعباقرة ليسوا كسائر البشر فقد امتازوا بعقلية خارقة الذكاء مدركة للعلوم والفنون ويملكون رؤية ثاقبة في استشراف المستقبل ويحظون بقدرة خلاقة في حل المشكلات وتخطي المعضلات كأداء وتحليل الحوادث، والوقائع التي تحيط بهم كما أن لديهم روحاً لجوجة لا حدود لطموحها ولا نهاية لأفق أحلامها ولا يقتحم الخوف فؤادها. فهذا التميز البشري نَجَم عنه حسادٌ من رعاع المجتمع ودهمائهم الذين يقفون متاريسا أمام تطلعات العباقرة وتحقيق أحلامهم ويحاربونهم بشتى الوسائل والطرق من أجل الفت في عزائمهم وإضعاف إرادتهم لا لهدف يرجونه من وراء ذلك إلا لأن عقولهم تتضاءل أمام إنجازات العباقرة المذهلة فأضحت تلك الثلة الحاسدة أشبه ما تكون بأرقام ليست ذا قيمة عددية في مجتمعاتهم.

أصبحت معاداة العباقرة مستشرية بين المجتمعات قاطبة فهي لا تنحصر جغرافياً ولا تنتهي تاريخياً بل هي ظاهرة عالمية كونية فعندما ننظر إلى الضفة الأخرى من جهة الغرب للكرة الأرضية نجد أن المفكر سويفت قد شخّص تلك الظاهرة قائلاً: (عندما يظهر عبقري حقيقي في العالم فإنك تستطيع أن تعرفه بهذه العلامة وهي تحالف الأغبياء ضده)، كما سئل (جين فالور) عن تعريفه لنجاح العباقرة فقال: (إن نجاح العباقرة كما عرفته منذ سنوات طويلة عبارة عن بالون بين أطفال مسلحين بدبابيس حادة)، ولم يكن العبقري في المشرق العربي بأحسن حال من نظيره في العالم الغربي فقد لقي هو الآخر من العَنَت والمشقة ما لقيه من محاربي النجاح والإبداع. إلا أنه زاد عليه بميزة واحدة وهي قصر عمره في الحياة فغالباً ما تتخطفه يدُ المنون وهو لم يزل في شرخ الشباب وعنفوانه وهي ظاهرة مشتركة بينهم فقد اصطدموا بعينة بشرية تؤمن بمفاهيم منغلقة وتحارب الإبداع والابتكار لذا آثر العباقرة باطن الأرض على ظاهرها.

والتاريخ يسعفنا بقصة أحد عباقرة الشعر العباسي وهو أبو تمام

في مدح الخليفة العباسي المعتصم بالله.

ويقابل ذلك في العصر الحديث العالم الموسوعي الدكتور علي مصطفى مشرفة الذي ظهرت عليه أمارات النبوغ والعبقرية منذ ريعان صباه فأخذت أبحاثه تشق طريقها في أشهر المجالات العلمية وهو لم يبلغ الخامسة عشر من عمره. فأثرى المكتبات العالمية بشتى الإصدارات العلمية التي خدمت مجالاتها مثل الهندسة الوصفية والقنابل الذرية والعلم والحياة. وافته المنية وهو لم يبلغ الخمسين من عمره فنعاه رتشارد سون قائلاً: ( إنه بلا شك من أعلم عظماء الطبيعة)، كما رثاه عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين قائلاً: ( لا يمكن أن أصدق أن مشرفة قد مات فهو يحيا بيننا من خلال أبحاثه حقاً هو خسارة عظيمة للعلم والعلماء فقد كنت أتابع أبحاثه العلمية في الطاقة النووية وأرى أنه من أعظم علماء الفيزياء في تاريخ العالم كله).

فالعباقرة الذين برزت عبقريتهم في عالم الشعر أو النثر أو العلوم التجريبية لقوا حتفهم وهم في ريعان شبابهم وفجر حياتهم والقائمة طويلة سواء أكانت في العصر البائد أمثال طرفة بن العبد، وأبي مسلم الخراساني، وابن المقفع، وأبي فراس الحمداني، أو العاصر الحاضر أمثال أبي القاسم الشابي، وجمال حمدان، ويحي المشد. فقد كانوا يتقدون ذكاء ويتدفقون عطاء ويشَعون إبداعاً حتى سرى ذكرهم في البلاد وطبق الآفاق وعلت منزلتهم بين الخلائق وذلك هو المجد بعينه.