نشأ مفهوم ريادة الأعمال في القرن السادس عشر، وشهد تطوراً كبيراً في دلالاته وفحواه حتى اليوم، بدءًا من التعريف الأولي لرائد الأعمال بأنه شخص يرغب في تحمل مخاطر إنشاء مشروع جديد يدر عليه الربح، مروراً بكونه شخصاً مبتكراً لديه القدرة على تسويق إبداعاته أو تطوير سلع جديدة وعمليات يحتاج إليها السوق.

في القرن العشرين، يؤكد العالم الاقتصادي الأميركي جوزيف شومبيتر أن ريادة الأعمال أنموذج ابتكاري من "الهدم الخلاق"، يخلق حالة من الاضطراب والتغيير للأفضل، وبحلول القرن الواحد والعشرين "الثوري"، اختلفت دلالات النظر إلى مفهوم ريادة الأعمال لتخرج من دائرة التسويق والمال والاستثمار والإدارة والمخاطرة والربح إلى دائرة "الابتكار المثمر" في أيٍّ من المجالات العملية؛ لتحقيق الذات والطموحات الشخصية للأفراد ويليها المجتمعات.

ويرى الخبير الاقتصادي بيتر دراكر أن رائد الأعمال شخص يبحث بالفعل عن التغيير ويستجيب له ويستغله للأفضل، حيث إن "رواد الأعمال يبتكرون" وهم الأقدر على حل المشكلات التي تعترضهم لما يتمتعون به من مرونة وشغف وإصرار من أجل هدف وطموح عريض.

وقد أوضح هولدين ثروب وبوك قولدستين، في كتابهما (محركات الابتكار - جامعة ريادة الأعمال في القرن الواحد والعشرين)، أن ريادة الأعمال تتَّفق تماماً مع الجامعة العصرية في كل أجزائها المتعدِّدة والمتنوِّعة، وأن هذه الحقبة هي حقبة ريادة الأعمال، ويتفق معظم خبراء الاقتصاد اليوم على أن ريادة الأعمال هي مكون ضروري لتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل بكافة المجتمعات.

وفي نفس المنعطف، سمعنا كثيراً في العقود الأخيرة عن الهدف من التعليم الأكاديمي، وهل يعد حاجة ملحة لتحصيل العلم والمعرفة أم لتأهيل الأفراد لسوق العمل؟!، رغم ندرة الفرص الموجودة خصوصاً في الأسواق النامية، وهل يتعلم الأفراد لاكتشاف المعرفة كما هو الحال غالباً في الدراسة الأكاديمية أم لتسويق المعرفة واستغلالها على أكمل وجه كما هو الحال في سوق العمل والقطاع الخاص؟!، ولأن كل فرد منا يحتاج إلى المعرفة الأساسية والعلوم وكذلك يحتاج إلى اختبار مدى تأثيرها على نمط حياته وتفكيره ومستقبله، يُصبح من الضروري لنجاح أيِّ جامعة أن تكون ريادة الأعمال عنصراً أساسياً مكملاً لمناهجها المقررة في الفنون والعلوم على أقل تقدير.

ختاماً وقبل التفصيل في المقال القادم، إذا كانت الجامعات قد تأسست من أجل المعرفة المطلوبة والعلوم التي يحتاجها الأفراد؛ فإن تضمين علم ريادة الأعمال ضمن مقرراتها يجعل الهدف أكبر من ذلك، بخوض غمار تأثير هذه المعارف على حياة كل فرد على حدة، في مجال تخصصه وما يتمناه.