يستوقفنا التحول النوعي الذي يسود اليوم في عالم الشركات الكبرى، وبالذات تبني ما يسمى بمفهوم design thinking أو التفكير التصميمي، أو التخطيط للمشاريع على طراز تفكير المصممين، إذا كان لنا حرية التصرف في ترجمة المصطلح.

إذ في خضم المنافسة المتصاعدة في إنتاج الشركات الكبرى -على اختلاف معطياتها الإنتاجية- نجد تلك الشركات في بحث دائم عن الجديد بما يكفل لها الريادة في استقطاب المتلقين أو الجمهور المستهلِك، ومؤخراً لجأت الشركات للاستفادة من الأساليب الابتكارية للمصممين الفنيين عامة ولمصممي الأزياء خاصة، فمثلاً بالنظر لكيف يعمل مصصم الأزياء، نجد أنه أولاً يضع نصب عينيه فكرة ماهي احتياجات الآن، أي ما الذي يواكب الوقت وتحدياته الإبداعية، الجديد الذي يحقق طفرة نوعية في المنتج؟ أي يبحث عن فكر متجاوز.

وفي هذا السياق نجده يلجأ لفتح الباب لكل الأفكار المجنونة والمتجاوزة، ولا يغلق الباب بوجه أي احتمال أو وحي، هي أشبه بعاصفة لا تبقي ولا تذر يستنطق فيها المصمم الأول وبلاحدود كل رؤاه وأحلامه.

بعدها تأتي مرحلة التصفية أو التنقيح، حيث يتم عقلنة وغربلة معطيات تلك العاصفة أو تقويم عفويتها، واستبعاد الفج والواهن وغير المعقول. يتم استبعاد كل الشوائب ولا يدع غير المتميز والمتفوق، وينتظم ذلك فيما يشبه الخط العام أو الحبكة الجديدة، وغالباً ما تكون أيضاً ميالة للجنون مستقاة من تبع عبقر دون ترويض. وهي مرحلة يقوم بها الفنان المصمم بصرامة مع الذات وتجاه نتاجه المجنون. يتم في هذه المرحلة توظيف المصمم لكل خبرته مع حسه الفطري بما هو جدير بالبقاء والطرح على المتلقي.

بعدها تجيء مرحلة لا تقل صرامة حيث يتم طرح تللك المادة المنتخبة على فريق من المصممين من مختلف التوجهات والأذواق، ويترك لذاك الفريق تمحيص تلك المادة بعفوية وبحيادية كل بنظرته الخاصة ومعطياته المتميزة، حيث يترك للجميع بلا استثناء فرصة تلقيح تلك المادة بإبداعاتهم. فيما هو أشبه بعاصفة أفكار أو عاصفة إبداع، لا يهمل فيها أي اقتراح بناء من أي فرد جاء، وغالباً ما يكون ذلك الفريق من المصممين الشبان الواعدين.

بعدها يأتي دور لا يقل صرامة حيث يتم عرض نتاج تلك العاصفة على عينة منتخبة من الجمهور المفترض أن يتوجه لهم الإنتاج، ودراسة ردود أفعالهم ومقترحاتهم، ويتم بناء على ذلك تقييم النتاج من قبل فريق المصممين، وتطرح مرئياتهم على المصمم الرئيسي سواء كان ذلك إيف سان لوران نفسه أثناء حياته أو شانيل أو غيرهم من عباقرة فن الأزياء، ويتم بناء على هذا التقييم سلسلة من التعديلات من قبل ذلك المصمم القائد.

عملية جادة متراتبة لا حياد فيها، تتم في كافة مراحل الإنتاج يتم بعدها خروج التصميم للجمهور، والذي يتناول السلعة غير واعٍ بالعملية المضنية وراءها، لكن ما يخاطبه هنا هو الرسالة الخفية المضمرة في ذلك المنتج، رسالة الجودة والحداثة والأصالة في نفس الآن، ما يخاطبه ويجذبه هو التفوق في تلك السلعة والذي لا يمكن إغفاله في ركام السلع المطروحة في الأسواق.

لكن ما يواجه الشركات الكبرى يتجاوز ذلك، لأن تلك الشركات قائمة على ميراث غالباً ما يميل للجمود، لذا فإن سلسلة العواصف الإبداعية ستشكل بلاشك تهديداً لتلك العراقة، وتدفع الشركات لمراجعة الكثير من المسلمات فيها، تدفعها لإعادة النقض والبناء وهو ما يتطلب شجاعة وقدرة وتمكن من آليات النقض وإعادة التشييد، إنها عملية مراجعة لكل الثوابت بحيادية قد يعجز عنها الكثيرون، أو ربما يلجأ لمحاربتها الكثيرون.

image 0

image 0