يمتد تاريخ الحلي والزينة عبر التاريخ إلى عصور غابرة تصل إلى ما قبل التاريخ؛ حيث اهتم الإنسان منذ القديم بزينته الشخصية عبر وسائل وأدوات عدة، وكانت للزينة دلالات ومعانٍ شتى لدى بعض الجماعات في العصور القديمة، ويظل الذهب مهما تقدم الزمن ذلك الاسم اللامع الذي يشنف ذكره الأسماع وذلك لماله من قيمة تجعل الكل يسعى للحصول عليه فهو عماد المال في العالم منذ القدم حيث استخدم كوحدة نقد عند العديد من الشعوب والحضارات والدول، وهو يشكل قاعدة نقدية مستخدمة حالياً من قبل صندوق النقد الدولي (IMF) وبنك التسويات الدولي (BIS)، وتعد صناعة الذهب والحلي والمجوهرات من الحرف القديمة الدالة على عبقرية الإنسان وإبداعه، وقد مرت هذه الصناعة بعهود كثيرة منذ ما قبل التاريخ إلى الحضارات في العصور الوسطى وصولاً إلى الحضارة الإسلامية؛ حيث كان الظهور الإبداعي لهذه الحرفة التي كانت خلاصة ابتكارات الإنسان في هذا الزمان، وبقيت بصمات الإغريق والرومان والفراعنة في مصر على هذا المعدن الثمين حتى يومنا هذا ليكون شاهداً على الحضارات في الشرق وفي منطقة مصر والشام.

وتعد النساء أكثر استعمالاً للذهب من الرجال وخاصة في المجتمع المسلم؛ حيث أباحه الله للنساء وحرمه على الرجال، وعلى الرغم من ذلك فإن الرجال أكثر تعاملاً معه؛ حيث يقومون بصياغته أي صهره وتشكيله لصناعة الحلي والجواهر التي تتزين بها النساء، ومرًت صياغة الذهب بالعديد من المحطات في بلادنا إذ كان في البداية يستخرج كمواد خام تجمع وترسل إلى الخارج ومن ثم يعاد ذهباً خالصاً بعد استخلاصه وذلك عن طريق صهر الخامات المركزة، حيث يقوم الصاغة بتشكيله في محلاتهم ومن ثم بيعه على طالبيه من النساء للزينة، كما كانت عملية الصياغة اليدوية في الماضي القريب بسيطة جداً وتتم عن طريق استخدام عدة متواضعة، فمهنة صياغة الذهب من المهن التقليدية التي تحتاج إلى مهارة وصبر لنقش الذهب وصقله والتي تتطلب من صائغ الذهب استخدام النار لإذابته ومن ثم تطويعه وتشكيله كما ذكر ذلك الشاعر ماجد عبدالهادي القحطاني في قصيدته التي غناها الفنان طاهر الأحسائي والتي يقول فيها:

الا يا لطيف الروح قلبي من اجلك ذاب

كما ذاب معجون الذهب عند صبابه

ومع تقدم الزمن والتطور بات هناك العديد من المعاهد المتخصصة التي خرجت العديد من الصاغة المتقنين لعملهم وصارت منتجاتهم تلبي حاجة السوق المتزايدة وأقيمت العديد من المصانع المتخصصة التي بات إنتاجها يلبي حاجة السوق المحلية وما جاورها.

استخراج الذهب

يعد الذهب من الفلزات وهو فلز ثمين جداً وعنصر كيميائي يرمز له بالرمز Au، وعدده الذري (79) في الجدول الدوري ويسمى بحالته الطبيعية قبل الضرب بـ (التبر) وهو لين ولامع أصفر اللون، واستخدم كوحدة نقد عند العديد من الشعوب والحضارات والدول، كما أنه يستخدم في صناعة الحلي والجواهر، كما أن للذهب استعمالات أخرى فهو يستعمل في طب الأسنان والإلكترونيات، ويتواجد في الطبيعة على هيئة حبيبات داخل الصخور وفي قيعان الأنهار، أو على شكل عروق في باطن الأرض، وغالباً ما يوجد الذهب مع معادن أخرى كالنحاس والرصاص، ويمتاز الذهب بقلة التآكل والنعومة، كما أنه من أكثر العناصر الكيميائية كثافة، وقد بدأ استخراج الذهب في بلادنا منذ وقت مبكر؛ حيث بدأت أعمال التعدين والمناجم في عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- إذ تم استغلال منجمي (مهد الذهب) و(ظلم) ما بين عام (1939)م إلى عام (1954)م ثم استمرت أعمال التعدين حيث أتى منجم (مهد الذهب) الأثري في مقدمة المناجم الأثرية التي درست بكثيرٍ من التفصيل، وأثمرت دراسته عن افتتاحه كأول منجم للذهب في العصر الحديث في جزيرة العرب وصدر امتياز التعدين لشركة التعدين العربية السعودية في عام 1353هـ وتولى الشيخ عبدالله السليمان وزير المالية آنذاك، إبرام عقد الاتفاق مع الشركة، وأنشئ في وزارة المالية إدارة جديدة بمسمى (إدارة المعادن)، وجرى افتتاح المنجم في عام 1356هـ، وبدأ إنتاجه من خامات الذهب والفضة المركّزة في عام 1358هـ وكان تركيز الخامات يتم بالقرب من المنجم ثم تجري تعبئتها في براميل محكمة ومن ثم تنقل براً إلى مدينة جدة، ثم تشحن بحراً من رصيف بحري شمال من بحيرة الأربعين، وكان موقع ذلك الرصيف خارج السور الشمالي لمدينة جدة، عندما كانت جدة محاطة بسور، وكان يجري استخلاص الذهب الصافي والفضة الصافية في الخارج وذلك عن طريق صهر تلك الخامات المركّزة، وكان الجنيه الذهبي السعودي والريال الفضي السعودي الفئتين الرئيسيتين للعملة السعودية في عهد الملك عبدالعزيز، وكان الجنيه يساوي أربعين ريالاً، ومن أجل تطوير قطاع التعدين والمناجم أنشأت المملكة شركة التعدين العربية السعودية (معادن) بالمرسوم الملكي رقم 17/م وتاريخ 14/11/1417هـ (23/3/1997م) كشركة مساهمة سعودية لها شخصية معنوية وذمة مالية مستقلة برأسمال وقدره أربعة آلاف مليون ريال سعودي، ويتركز اهتمام شركة معادن على تشغيل خمسة مناجم للذهب تشمل: (مهد الذهب)، و(الأمار)، و(الصخيبرات)، و(بلغة)، و(الحجار)، وتقوم الشركة بتوسيع نشاطها ليشمل تطوير الفوسفات ومشروع الألمنيوم ومشروعات أخرى تشمل معادن الأساس والمعادن النفيسة، وتتعاون الشركة مع الحكومة والمشرعين المحليين لوضع إطار تنظيمي لإدارة وتنظيم صناعة التعدين والمناجم في المملكة العربية السعودية.

عيار الذهب

قد يظن البعض بأن الذهب الذي يعرض في الأسواق ذو قيمة واحدة والحقيقة بأن سعر الذهب يختلف باختلاف عياره، فالذهب الذي يعرض في محلات بيع الذهب له العديد من العيارات وكل عيار له ثمن معين فأغلاها هو عيار 24 وهو عبارة عن الذهب الخام الخالص وتتشكل منه السبائك الذهبية وأوقية الذهب، ثم الذهب عيار 22 قيراطا (وحدة كتلة) قيراط والذي يحتوى على 22 جزءا من الذهب مع جزأين من المعادن الأخرى مثل نحاس أو نيكل أو زنك ثم الذهب عيار 21 قيراطا (وحدة كتلة) قيراط والذي يحتوى على 21 جزءا من الذهب مع 3 أجزاء من المعادن الأخرى، ثم الذهب عيار 18 قيراطا (ميزان) قيراط يحتوى على 18 جزءا من الذهب مع 6 أجزاء من المعادن الأخرى، ثم الذهب عيار 14 قيراطا (وحدة مساحة) قيراط يحتوى على 14 جزءا من الذهب مع 10 أجزاء من المعادن الأخرى، كما كثر استخدام الذهب في مجوهرات الزينة فيما يعرف بـ(الذهب الأصفر)، ويتم ذلك عن طريق خلط الذهب مع النحاس والفضة والخارصين بنسب متفاوتة ينتج عنه عيارات الذهب المتعددة، ويتم قياس درجة نقاوة الذهب بالأجزاء (جزء من الألف) أو بالعيار حسب المقياس الأميركي، فمثلاً درجة النقاوة 1000 تقابل العيار 24، ودرجة النقاوة 875 تقابل العيار 21، بينما 750 تقابل العيار 18، وعموما فإن اللون يميل إلى الشحوب كلما تم إنقاص رقم العيار أي نقصت كمية الذهب في السبيكة، أما الذهب الأبيض فهو ذهب ممزوج بـالقصدير أو البلاديوم من أجل إكسابه اللون الأبيض ويستخدم الذهب الأبيض عادة لأطقم المجوهرات.

الندرة

من المعروف منذ القدم بأن أجمل ما تتزين به النساء قديماً هو الذهب، وبالرجوع إلى المئة سنة الماضية وقبل توحيد المملكة نجد بأن الذهب كان وجوده شبه نادر إذ لم يكن يعرفه إلا علية القوم، حيث كانت جل الحلي من الفضة أو النحاس أو العقيق وكان لحلي الفضة أسماء غير أسماء الذهب فمن أسماء لباس الفضة (الخلاخيل) و(المعضد) و(الحزام) و(الهامة) و(القلادة)، أما لباس الذهب فـ(الغوايش) أو (المجاول) وتلبسان في الساعد و(الرشرش) و(القلب) على الصدر و(الخماخم) في الأذنين، وهناك ما هو مشترك بين الذهب والفضة مثل (الزمام) الذي يوضع في الأنف و(الخاتم) و(الكف) وغيرها، وكانت أكثر النساء يستعرن الذهب من قريباتهن أو صديقاتهن في المناسبات كالزواجات مثلاً، كما كانت النساء يعتنين بالذهب عند الحصول عليه فالمرأة تعشق منذ قديم الزمان الذهب فهو يحقق لها العديد من المزايا والضمانات، أيضاً فبريق الذهب يزيدها جمالاً وكثرته تعطيها الأمان، لذا فقد كن لا يفرطن فيه تطبيقاً للمثل الذي يقول (الذهب زينة.. وخزينة) أي زينة للتجمل وخزينة لأنه ادخار للزمن وأمان للمستقبل فعند الحاجة يتم بيع الذهب والاستفادة من ثمنه فالذهب تبقى قيمته ولا تزول، وتعمد الكثير من النساء إلى المتاجرة في الذهب حيث تشتري منه بكثرة كلما توفر معها مال وذلك في فترة ركود أسعار الذهب وانخفاضها، ومن ثم تقوم ببيع ما لديها ومما تستغني عن لبسه إذا ارتفع سعر الذهب وتحتفظ بمالها إلى وقت انخفاض سعره لتشتري من جديد وبذلك يتضاعف رأسمالها مرات عديدة، أما في السابق وقبل انتشار محلات الذهب التي باتت تبيعه بسعر الغرام الواحد فقد كان بيع الذهب يتم عن طريق جلبه من قبل بعض النساء من داخل المملكة أو من خارجها وبيعه على النساء بهامش ربح قد يقل أو يزيد حسب سماحة من تبيع حيث عرف العديد من النساء في كثير من البلدان بذلك، فعندما تهم امرأة ببيع أو شراء ذهب فإنها تذهب إلى العديد منهن وتستعرض الأسعار وتختار للبيع من تعطي ثمناً أكثر وفي الشراء لمن تقدم سعراً أرخص، وكان غلاء السعر يعتمد على عيار الذهب وعلى فن الصائغ بالدرجة الأولى فكلما زانت نقوشه وأتقن صنعه زاد ثمنه وهكذا.

مهر ورضاوه

ارتبط الذهب بمظاهر الزواج والحياة الزوجية بشكل عام فعند الخطوبة وقبول المرأة للزواج يتم تقديم الذهب ضمن المهر إذ يقوم الزوج بواسطة والدته أو أحد أخواته بالذهاب إلى محل الذهب ويختار لعروسه العديد من أطقم الذهب والتي تحتوي على (غوايش) وكانت تسمى (مجاول) وهي تلبس في ساعد اليد وخواتم وتلبس في الأصابع وقلادة تعلق بالعنق و(بناجر) و(رشرش) يلبس على الصدر وغيرها مما تلبسه المرأة من زينة الذهب، وكان للمشغولات الذهبية فيما مضى العديد من الأسماء فهناك ما يسمى (دقة فريد) وكانت موضة ذلك الزمان، وكذلك الرشرش وغيرها من الأسماء التي اكتسبت شهرة، وبعد الزواج يظل الذهب مصدر جذب بين الزوجين إذ يكون أجمل هدية يقدمها الرجل لزوجته خاصة بعد الولادة، كما أن الذهب يدخل ضمن صفقات التراضي بين الزوجين، فإذا ما حدثت خصومة بين الزوج وزوجته وكان الزوج هو المتسبب في الخصومة فإن اعتذار الرجل لا يكون شفهياً بل بتقديم طقم من ذهب على سبيل الاعتذار، وكان هذا الإجراء هو السائد فيما مضى، وأخيراً فإن البعض من النساء تفضل أن تقدم الذهب لصديقتها أو قريبتها التي رزقت بمولود فيتم تقديم (جنيه) من الذهب إذا كان المولود ذكراً، أما إذا كانت المولودة أنثى فيقدم لها طقم ذهب صغير وناعم كـ(خروص) للأذن أو (تعليقة) للعنق أو (غوايش) وغيرها مما يصلح أن يلبسه الطفل.

دراسة وفن

ضمن اهتمام محلات الذهب بتقديم ما يرضي أذواق المتسوقين فقد حرص كل بائع على الحصول على فنيين مهرة لصياغة الذهب منذ القدم ونظراً لكثرة انتشار المصانع فقد قل المهرة في هذا المجال، ولكن في سعي العديد من المحلات الكبرى والمؤسسات والشركات في نيل أكبر حصة من المتسوقين في سوق الذهب والمجوهرات فقد حرصت هذه المحلات على تدريب العاملين لديها لإكسابهم الخبرة من الصاغة المهرة من كبار السن للاستفادة من خبراتهم، كما قامت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني باعتماد تخصصات جديدة بالكليات التقنية للبنات وهي دبلوم تصميم وصياغة الذهب والمجوهرات، والوسائط المتعددة ضمن برامجها التي تنفذها وذلك تماشياً مع احتياج سوق العمل من البرامج التقنية والمهنية النسائية والتي تستهدف جميع الفتيات السعوديات الباحثات عن عمل من مختلف الأعمار، وأياً كان مؤهلها العلمي بما لا يقل عن المرحلة المتوسطة أو ما يعادلها، وقد أسهمت تلك الخريجات في سد حاجة سوق العمل والحفاظ على إرث كبير في فن صياغة الذهب وتشكيلته التي نراها اليوم.

image 0

تطورت صناعة الذهب وأصبحت أكثر دقة واحترافية

image 0

أسعار الذهب تتفاوت من موسم لآخر حسب السوق

image 0

إحدى موضات الذهب قديماً

image 0

أدوات الصائغ التي يستخدمها قديماً لتشكيل الذهب

image 0

صخرة مستخرجة من أحد مناجم الذهب بالمملكة تحوي عروق الذهب

image 0

الصاغة يتفننون في تشكيل الذهب لإرضاء جميع الأذواق

image 0

مجموعة من الحلي القديمة

image 0

مجموعة من حلي الفضة تستخدم قديماً لندرة الذهب وارتفاع ثمنه

image 0

حمود الضويحي