تقوم المؤتمرات العلمية بدور مُهم في إثراء الحركة العلمية عبر مناقشة وبحث الموضوعات التي تُسهم في تعزيز الاكتشافات وإعداد البحوث ودعم التطورات والتجارب التحليلية في المجالات العلمية المختلفة، إلا أنه وعلى الرغم من أن المؤتمرات والندوات العملية المحلية العامة والخاصة؛ شهدت حراكاً واسعاً وتطوراً ملموساً في السنوات الأخيرة؛ إلا أن الكثير منها لم تقدم الجديد ولا تزال دون المستوى المطلوب والمأمول والمنتظر ولا تلامس احتياجات الواقع وتحديداً من حيث محتواها ومضمونها وإعدادها وتقديمها والدعوى لها، وتعاني من تكرار الأسماء والشخصيات المشاركة بها وغياب المختصين والخبراء؛ مما أفقدها الإبداع والتجديد والمخرج والإضافة العلمية اللازمة.

اكتشافات علمية

في البداية تحدث د. إبراهيم الزبن - أستاذ علم الاجتماع ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية لعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية- قائلاً: إن المؤتمرات عبارة عن مناقشة وتبادل فكري حول قضية أو موضوع أو مشكلة أو مشروع بقصد التوصل إلى آراء وتوصيات مناسبة، مبيناً أن المؤتمرات تصنف وفقاً لمعايير متعددة، فمن حيث المستوى والموضوع والمشاركين والجهة المنفذة والمستفيدة، ومنها المؤتمرات المحلية التي يتم عقدها داخل الدولة ويشترك فيها أفراد من الدولة نفسها، موضحاً أن المؤتمرات العلمية وما يطرأ عليها من مناقشات ومشاركات ونشر للأبحاث والأسئلة المطروحة بها تعتبر وسيلة للاطلاع على مستجدات التخصص، وصقل المهارات الأكاديمية والاستفادة من تحكيم الخبراء، والملاحظات والنتائج التي توصل إليها الباحث، وكذلك المساهمة في تعريف المشاركين على ما تم التوصل إليه من الاكتشافات والتطورات العلمية.

تقليد وتكرار

وقال د. الزبن إن من اشكالات المؤتمرات أن بعضها قد تخلو من الفائدة العلمية إما لتكرار موضوعاتها أو لعدم أهمية هذه الموضوعات، أو أن هذه المؤتمرات قد تكون مجرد تقليد للمؤتمرات الدولية المشابهة لها، أو أن المشاركات المقدمة لا تحقق أهداف المؤتمر، أو لعدم خضوع البحوث والأوراق المقدمة للتحكيم العلمي من قبل المختصين، الأمر الذي يفقد المؤتمر مصداقيته العلمية، ويجعله مصدراً غير علمي وغير موثوق به، لافتاً إلى أن بعض المؤتمرات المحلية تشجع الإنتاج السيئ لأن البحوث الملقاة فيها لا تخضع إلى عملية انتقاء فاعلة تعتمد على تقييم عالمي، كما أن بعضها لا يكون لديه توازن فقد يركّز على الجانب النظري ويهمل التطبيقي أو العكس، وقد تقدم أوراق عمل لا علاقة  لها بالمِحور الذي قُدِّمت به ولا بالمؤتمر نفسه، وقد يكون هناك ضعف في التوصيات التي يتم التوصل إليها أو أنها توصيات عامة لا تتعلق بأهداف المؤتمر ونتائجه، مشدداً أن الجهات المنظمة لهذه المؤتمرات تهتم بالجوانب الشكلية والتسويقية.

وأضاف أن هناك إشكالات خاصة بالمشاركين تكمن في وجود بعض المتحدثين غير المختصين، بالإضافة إلى حرص البعض على المشاركة لأهداف لا تتلاءم مع طبيعة المؤتمر، وقد يكون المشارك موفداً من جهة عمله دون أن يكون له أي إٍسهام في المؤتمر أو إضافة علمية، أو قد تتكرر أسماء بعض المتحدثين مما يفقد المؤتمرات الإبداع والتجديد والإضافات العلمية المميزة، مؤكداً أن مشاركة البعض بالمؤتمرات تفتقد للجدية العلمية، فقد يكون المبرر التعويض لعدم التمكن من حضور المؤتمرات العالمية، أو أن ينظر للمشاركة كوسيلة للتخلص من ضغوط العمل أو للترفيه، أو قد يكون المبرر تقديم بحث ليسجل له كإنتاج علمي لغرض الترقية، دون الاهتمام بالمحتوى العلمي، موضحاً أن معالجة هذه الإشكاليات تحتاج إلى الاهتمام بالسلبيات التي تواكب إعدادها وتقديمها، ومنها ضرورة الاقتصار على الموضوعات والقضايا الهامة، وأما الموضوعات الأخرى فيمكن طرحها في ملتقيات أوحلقات نقاش أو ورش عمل أو محاضرات وغيرها.

وطالب د.الزبن بجدولة المؤتمرات سنوياً وتوفير المقومات الأساسية والمتطلبات المناسبة لها، عن طريق اختيار الوقت والمكان المناسب، وعمل اللجان المتخصصة التي تُسهم في الإعداد الكافي والشامل لها وبالطرق العلمية المتعارف عليها، مع إتاحة الوقت الكافي للإعداد لها، مشيراً إلى أهمية العناية باختيار المشاركين في المؤتمر، فإذا كان هناك حاجة لاستكتاب بعضهم يتم التركيز على المتخصصين لكل محور، على ألا تكون كل المشاركات من خلال الاستكتاب بل يجب أن يتاح الفرص للمتخصصين للمشاركة، وفيما يخص الأوراق العلمية والبحوث المشاركة فينبغي أن تكون مناسبة لمحاور المؤتمر وأن يتاح الفرصة لأكبر عدد من المشاركات، ثم يتم الاختيار للأفضل منها حسب نتائج التحكيم وما توصي به اللجنة العلمية للمؤتمر، مبيناً أنه عند إقامة المؤتمر بعد الإعداد الجيد له ينبغي الاهتمام ببرنامج المؤتمر وإعطاء كل محور منه حقه من الاهتمام.

ضعف المخرجات

بدوره أوضح د. ممدوح الروحاني - مستشار وباحث في اقتصاديات الإعلام والتسويق-، أن نسبة عالية من المؤتمرات العلمية لا تحقق أهدافها وتعاني من فقر في المخرجات، وتأثيرها على عملية الإنتاج العلمي محدود جداً، مبيناً أنه لا يمكن تقييم جميع المؤتمرات بمقياس واحد بسبب اختلاف واقع واحتياجات المجالات العلمية المختلفة، إلا أن هناك سببين محوريين يؤديان إلى ضعف إنتاجية الكثير من هذه المؤتمرات، ومنها أن معظم المؤسسات العلمية والأكاديمية والجمعيات العلمية تتعامل مع المؤتمرات كحدث أو هدف سنوي أو دوري ينبغي تحقيقه، بينما المؤتمرات العلمية هي في الحقيقة محطة لالتقاء وتلاقح الأفكار ضمن سلسلة عملية الإنتاج العلمي والمعرفي، مؤكداً على أهمية أن تكون هناك خطط واضحة لتطوير مسارات علمية معينة وفقاً لاحتياجات حقيقية، وأن تكون هناك حركة نشطة من إعداد البحوث وإجراء التجارب العلمية والتحليلية تتكلل بين فترة وأخرى بمؤتمرات علمية يلتقي فيها الباحثون والمهتمون لتبادل النتائج وتقييمها وعرض أحدث ما وصلت إليه المساعي العلمية، فمثل هذا الفضاء العلمي تحقق المؤتمرات أهدافها وتصبح مناسبة مثالية لإيجاد التكامل بين البحوث وتصور الخطوات والمستقبلية.

شح الاستثمار

وقال د. الروحاني إن من الأسباب التي أدت إلى ضعف جودة انتاجية المؤتمرات المحلية هي أن المنطقة مازالت عموماً تعاني من شح في الاستثمار في مجال البحوث والتطوير R&D، مضيفاً أن القطاع الخاص اقتنع بدور استيراد وتقليد ما ينتج في الخارج وبالتالي يحجم عن الاستثمار لتطوير ابتكارات تناسب الواقع المحلي واحتياجاته، ذاكراً أن قطاعات قليلة جداً هي التي تولي قدراً مقبولاً من الاهتمام بالبحوث والدراسات والابتكارات على رأسها قطاع النفط والطاقة، لافتاً إلى أن بيئة البحوث والتطوير والاستثمارات المرتبطة بها تُعتبر العمود الفقري لنجاح وتطور عملية الإنتاج العلمي ومن ثم كافة الفعاليات المرتبطة بها بما في ذلك المؤتمرات العلمية، مشدداً أنه للأسف الكثير من المؤتمرات العلمية في المنطقة تحولت إلى مجرد بند ضمن بنود الفعاليات السنوية وفرصة للوجاهة الاجتماعية، لافتاً إلى أن تنظيم المؤتمرات العلمية في الدول المتقدمة علمياً ومعرفياً وليد حاجة تفرضها طبيعة ووتيرة التقدم العلمي، بينما في معظم الدول النامية تنظيم مثل هذه المؤتمرات أصبح جزءاً من روتين العمل السنوي، وبتعبير أدق مجرد محاولة لتقليد ما تقوم به الجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية الرائدة، وبالتالي تنظم المؤتمرات والندوات إلا أن المحتوى يبقى دون المستوى المأمول وغير مرتبط باحتياجات الواقع، مشيراً إلى أن من يتعامل مع المؤسسات البحثية العالمية يدرك بأن مراكز الدراسات والأبحاث والباحثين والمهتمين هم من يضغطون ويطالبون بتنظيم هذه المؤتمرات لعرض الأبحاث والدراسات والابتكارات والاختراعات وتبادل الخبرات والتعلم من مساعي العلماء والباحثين، بينما في العالم النامي معظم البحوث والمشاركات تكون من باب التواجد الإسمي وغالباً من أجل تحقيق الحد الأدنى من النصاب البحثي المطلوب للترقيات الأكاديمية والمهنية.

وأضاف إن رؤية 2030 ستحدث تغييراً في العملية الإنتاجية العلمية، مبيناً أن المؤسسات العلمية والأكاديمية مطالبة بلعب دور هام وحيوي في تنشيط الحركة الإنتاجية، مؤكداً أن تحقيق الرؤى الطموحة للرؤية يتطلب قراءة علمية دقيقة للاحتياجات في مختلف القطاعات، ذاكراً أن توطين التقنية ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية سيفرض ضرورة التحول من حالة الاستثمار السلبي الذي يعتمد على كل ما يأتيه جاهزاً من الخارج إلى الاستثمار الإيجابي الذي يسير وفق الاحتياجات الحقيقة والاستراتيجية ما من شأنه أن يدفع القطاع الخاص والعام إلى الاستثمار في حقل البحث والتطوير R&D، مشدداً على أن العمل نحو تحقيق الرؤية والخطط المرتبطة بها سيضع المؤسسات العلمية والبحثية والجمعيات العلمية أمام محك حقيقي فإما أن ترفع إنتاجيتها إلى مستوى الاحتياجات وتساهم بصورة إيجابية تكاملية في عملية التطوير وإما أن تختفي من الساحة،

سياحة المؤتمرات

من جهته رأى د. فهد الطياش - أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود-، أن البناء على التصنيف المقارن بين داخلي وخارجي فيه ظلم وتمييز للخارج وجلد للذات بالداخل، موضحاً أن التصنيف وفق الميدان المعرفي ومستوى المشاركة من المتخصصين والمستوى المؤسسي هي معايير جديرة بالمقارنة، مشيراً إلى أن هناك بروز ظواهر غير صحية في تنظيم المؤتمرات من قطاعات تجارية تدفع بمؤسسات العلاقات العامة وتنظيم المؤتمرات بتنظيمها ومن ثم اختطافها تجارياً، وبالتالي تصبح مؤتمرات باهتة في المنتج النهائي، مؤكداً أن المعيار لا ينطبق على الكثير من مؤتمراتنا العلمية وخاصة التي تنظمها الجامعات والجمعيات العلمية لأن الضعف الذي نتحدث عنه ينكشف بسرعة ويؤثر على سمعتها وتصنيفها الأكاديمي.

وأضاف إنه لا يستطيع الحكم على جدوى تكرار تلك المؤتمرات طالما أنها تستند على رأي انطباعي وليست على رصد وتحليل علمي لخارطة المؤتمرات في المملكة خلال الخمس سنوات الماضية على أقل تقدير، في ظل عدم امتلاك المعلومة الدقيقة، مضيفاً أنه يجب أن نقف مع السؤال من زاوية أهميته ونقول من المسؤول عن وقف تكرار المؤتمرات والهدر المالي المصروف عليها إن كانت كذلك، مؤكداً أن هذا التكرار يحقق عوائد للمنظمين؛ والدليل أن المدن السياحية باتت تجذب السائح من هذه الزاوية أو الحجة، فمنطقة مثل "نياغرا فولز" أو شلالات نياغرا في كندا عندما تتجمد الشلالات فما الجذب لفنادق صيفية في الشتاء، مضيفاً أن أحد العوامل هو سياحة المؤتمرات وربما المؤتمرات المكررة، مؤكداً أن المحسوبية لم يُعد لها مكان في زمن وسائل التواصل الاجتماعي ومشروعات محاربة الفساد، وهذه الوسائل قامت بتعرية المجتمع ومن ضمنها تعرية المجتمع الأكاديمي، لافتاً إلى أنه إذا وجدت تلك المحسوبية فستكون هي وقود سقوط المسؤول عنها، مؤكداً على ضرورة تعزيز صناعة تنظيم المؤتمرات داخل وخارج المؤسسات الأكاديمية لتصبح تحت نظر جهة تعطي معايير التميز أهمية أكبر مما هو معمول به الآن. الخروج بالمؤتمر من الطابع التقليدي يحقق كثافة الحضور وجودة المخرجات

image 0

د. فهدالطياش

image 0

د. إبراهيم الزبن

image 0

د. ممدوح الروحاني

image 0

كثير من المؤتمرات انحرفت عن أهدافها العلمية إلى التسويق والوجاهة

image 0

المؤتمرات بحاجة لإدارة واقعية تنتقي المشاركين والأبحاث المجدية بعيداً عن المجاملات