في أيام الزمن الجميل قيل: "القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ"، ولعل أغلب الكتب الثمينة بمحتواها وصلتنا من بيروت، كما وصلنا بعضها من مصر..

كنا العالم الذي تغطيه غيمة كبيرة وكل الأنوار الجميلة الملونة كانت تتسلل إلينا من تلك العاصمتين الصغيرتين لتغطي ربوعنا القاحلة.

والصراحة أن ذلك الزمن مضى وإن بقي قابعاً في الذاكرة، وتغير واقعنا جميعاً، وأصابت النهضة أوطاناً أخرى، وأخرى أنهكها الفساد وسوء تسيير أبنائها لها، فتراجعت بشكل محزن، حتى أنها تراجعت فيما كانت تتقنه وتتميز به عن الآخرين.

وفيما يخص النشر تحديداً، برزت دور وتراجعت أخرى، وتطفّل البعض على هذه "المهنة العريقة" ظنّاً منه أنها عمليّة طبع نصوص يقذف بها للسوق، دون الانتباه أنها مهنة دقيقة ومؤثرة وأن أي خطأ سيحسب عليه وتكون له تبعات سيئة على القارئ وعلى النّاشر سواء.

أغلب المتطفلين على مهنة النّشر اليوم لا يعرفون أنّ النّاشر يجب أن يكون قارئاً جيداً، لا ليستمتع بما يصله من مخطوطات بل ليتمكن من انتقاء مادة جيدة لجمهور قرائه، وخلال عملية الانتقاء يمكن تصنيف المخطوطات حتى لا يقدم على نشر ما يهين اسمه وسمعة الدار، فالكتب كالأبناء تحمل اسمك ومحتواها يعكس من أنت. من جهة أخرى على النّاشر أن يكون قارئاً جيداً ومتابعاً لما تنشره الصحف عن الإصدارات الجديدة، حتى تكون قراءاته هي بوصلته الحقيقية لمعرفة أين يتجه سوق الكتب.

النّاشر أيضاً كاتب لأنه حين يقرأ إنّما يعيد صياغة النص ومنحه حياة، وهو أمام بعض الأخطاء لا يجب أن يكون متساهلاً ، بل عليه تصحيحها، قبل أن يسلم بأي مخطوط لمدقق لغوي.

أكثر من ذلك على الناشر أن يكون على مكتبه قاموس. ويمكن لأي كاتب يزور ناشره أن يعرف إذا ما كان ناشره في المستوى أم لا. فقد تقمص كثر من تجار الكتب شخصية الناشر لكنهم أبعد عن النشر بعد الأرض عن المريخ.

يلعب الناشر دوراً مهماً في خلق لغة جديدة ومباركتها وإطلاقها لتأخذ شرعيتها، وهذا ما سماه "فلوبير" ذات يوم "فن الكلمة الصحيحة" حين يرى الناشر بحاسته السادسة توافق كلمة مشتقة من لغة أخرى وظفت بشكل مناسب عربياً.

الناشر ليس تاجراً، وإن دخل هذه المهنة من هذا الباب فإنه سينتهي بسمعة سيئة وأكوام من الكتب التي لا سوق لها.

لقد نجح ناشرون كبار أمثال سهيل إدريس -رحمه الله- لأنه كان قارئاً جيداً، ملماً بعلوم الدين والفقه والنحو والصرف والشعر والأدب، قبل أن يدخل مغامرة التأليف التي نجح من خلالها وأصبح روائياً مهماً على المستوى العربي، وقد انقلبت حياته رأساً على عقب حين نزع عمامة المشيخة الدينية وتفرّغ للأدب، ولا يخفى على أحد أنه حين أسس دار الآداب بدأها بنشر نصوص خضعت لذائقته الأدبية، قبل أن تصبح صرحاً عظيماً من صروح النشر إن لم تكن أول دار نشر صنعت الأسماء الكبيرة.

في مقابلة تاريخية جمعتني به قبل وفاته بحوالي سنة، ذات صيف سنة 2007 حيث أخبرني أنه كان يشم رائحة النصوص الناجحة وأنه لم يهتم يوماً بالأسماء البراقة، وأن نزار قباني على سبيل المثال آنذاك لم يكن بالشاعر المرحب به لدى الناشرين التقليديين، ولكنّه رأى في نصه كل معطيات النجاح الجماهيري والتجديد الذي تطلّبته المرحلة فنشر له ودعمه وروّج له حتى أصبح ما كان عليه.