ملفات خاصة

الخميس 07 ربيع الآخر 1438 هـ - 5 يناير 2017م

أزمة القراءة.. البداية من أين؟ (1-2)

فضيلة الفاروق

في أيام الزمن الجميل قيل: "القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ"، ولعل أغلب الكتب الثمينة بمحتواها وصلتنا من بيروت، كما وصلنا بعضها من مصر..

كنا العالم الذي تغطيه غيمة كبيرة وكل الأنوار الجميلة الملونة كانت تتسلل إلينا من تلك العاصمتين الصغيرتين لتغطي ربوعنا القاحلة.

والصراحة أن ذلك الزمن مضى وإن بقي قابعاً في الذاكرة، وتغير واقعنا جميعاً، وأصابت النهضة أوطاناً أخرى، وأخرى أنهكها الفساد وسوء تسيير أبنائها لها، فتراجعت بشكل محزن، حتى أنها تراجعت فيما كانت تتقنه وتتميز به عن الآخرين.

وفيما يخص النشر تحديداً، برزت دور وتراجعت أخرى، وتطفّل البعض على هذه "المهنة العريقة" ظنّاً منه أنها عمليّة طبع نصوص يقذف بها للسوق، دون الانتباه أنها مهنة دقيقة ومؤثرة وأن أي خطأ سيحسب عليه وتكون له تبعات سيئة على القارئ وعلى النّاشر سواء.

أغلب المتطفلين على مهنة النّشر اليوم لا يعرفون أنّ النّاشر يجب أن يكون قارئاً جيداً، لا ليستمتع بما يصله من مخطوطات بل ليتمكن من انتقاء مادة جيدة لجمهور قرائه، وخلال عملية الانتقاء يمكن تصنيف المخطوطات حتى لا يقدم على نشر ما يهين اسمه وسمعة الدار، فالكتب كالأبناء تحمل اسمك ومحتواها يعكس من أنت. من جهة أخرى على النّاشر أن يكون قارئاً جيداً ومتابعاً لما تنشره الصحف عن الإصدارات الجديدة، حتى تكون قراءاته هي بوصلته الحقيقية لمعرفة أين يتجه سوق الكتب.

النّاشر أيضاً كاتب لأنه حين يقرأ إنّما يعيد صياغة النص ومنحه حياة، وهو أمام بعض الأخطاء لا يجب أن يكون متساهلاً ، بل عليه تصحيحها، قبل أن يسلم بأي مخطوط لمدقق لغوي.

أكثر من ذلك على الناشر أن يكون على مكتبه قاموس. ويمكن لأي كاتب يزور ناشره أن يعرف إذا ما كان ناشره في المستوى أم لا. فقد تقمص كثر من تجار الكتب شخصية الناشر لكنهم أبعد عن النشر بعد الأرض عن المريخ.

يلعب الناشر دوراً مهماً في خلق لغة جديدة ومباركتها وإطلاقها لتأخذ شرعيتها، وهذا ما سماه "فلوبير" ذات يوم "فن الكلمة الصحيحة" حين يرى الناشر بحاسته السادسة توافق كلمة مشتقة من لغة أخرى وظفت بشكل مناسب عربياً.

الناشر ليس تاجراً، وإن دخل هذه المهنة من هذا الباب فإنه سينتهي بسمعة سيئة وأكوام من الكتب التي لا سوق لها.

لقد نجح ناشرون كبار أمثال سهيل إدريس -رحمه الله- لأنه كان قارئاً جيداً، ملماً بعلوم الدين والفقه والنحو والصرف والشعر والأدب، قبل أن يدخل مغامرة التأليف التي نجح من خلالها وأصبح روائياً مهماً على المستوى العربي، وقد انقلبت حياته رأساً على عقب حين نزع عمامة المشيخة الدينية وتفرّغ للأدب، ولا يخفى على أحد أنه حين أسس دار الآداب بدأها بنشر نصوص خضعت لذائقته الأدبية، قبل أن تصبح صرحاً عظيماً من صروح النشر إن لم تكن أول دار نشر صنعت الأسماء الكبيرة.

في مقابلة تاريخية جمعتني به قبل وفاته بحوالي سنة، ذات صيف سنة 2007 حيث أخبرني أنه كان يشم رائحة النصوص الناجحة وأنه لم يهتم يوماً بالأسماء البراقة، وأن نزار قباني على سبيل المثال آنذاك لم يكن بالشاعر المرحب به لدى الناشرين التقليديين، ولكنّه رأى في نصه كل معطيات النجاح الجماهيري والتجديد الذي تطلّبته المرحلة فنشر له ودعمه وروّج له حتى أصبح ما كان عليه.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 9

1

  ناصر بن محمد

  يناير 5, 2017, 7:46 ص

تقولي في أيام الزمن الجميل قيل: "القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ"، بعد خمسين سنه من الان سيقول اهل الخليج العربي الرياض تكتب ودبي تنشر والخليج كله يقرأ. التوقف عند الماضي كثيراً من بعض العرب هو من جعل بلداهم تذهب للخلف كثيراً! الثقافة ليست لها بلد معين ولا شعب معين ولا مكان معين! لنأخذ لبنان على سبيل المثال الكثير من يقصد معرض كتابها يقضية (كزدورة) ليس الا ! وأنتِ أحد الشهادين على ذلك ! الازمان تتغير والشعوب تتبدل اولوياتها والازمات توجة البعض ليكسب ليعيش لا ليقرا! مرحباً بك في صحيفةالرياض قلم لا يستهان به فضيلة الفاروق(أم طارق) حياك الله شكراً لجريدة الرياض على هذا التنوع بكتاب المقالات.

2

  بدراباالعلا

  يناير 5, 2017, 8:21 ص

الكل يقرأ الكل يكتب الكل يطلع وينشر ويتفنن بالقلم ! فقط يبقى الفكر اين مكانة من جادة الصواب كاتبتي الكريمة. مقالكِ يتحدث عن تجربتكِ ببئتكٍ منذ الطفولة حرية في القراءة. انما في بيئتنا نحن معشر السعوديين.متى كانت القراءة لدينا متاحة ضمناً ؟ قبل 4عقود لم يمر عبر البريد والجمارك وحتى في وسائل النقل القادمة لنا لكتاب لصحيفة وحتى رواية عاطفية الا ولدينا رقيباً عتيد ! لايسمح بمنتج يخالف واقع التطرف والتشدد في بيئة المجتمع ! حتى اننا نشاهد صحف وارده وقد طمس الكثير منها بالسواد ممنوع القراءة ؟!

3

  أبو غسان

  يناير 5, 2017, 9:55 ص

"القاهرة تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ" مقولة رائعة دور الناشر مهم جداً خاصة بالكتب المترجمة لأنه يترجم أحاسيس لا كلمات مرصوصة وهذا ما نفتقده حالياً . لدينا أزمة قراءة لدور النشر يد فيها . لايمكن أن تقوم دور النشر بطباعة ثرثرة لأهداف مادية بل هدفها البحث عن موهبة وتقديمها للقراء على شكل وجبة دسمة. صباح الخير بنت الجزائر

4

  kh3lid

  يناير 5, 2017, 10:51 ص

بالفعل مقوله ترددت لاعوام مضت .. تؤلف وتكتب الكتب في الكنانه والشام وتطبع وتقرأ في ارض الرافدين ومنها تنشر وتنتشر إلى ارض العرب والعالم معا .. كان المؤلف والروائي والقاص يعشق مهنته وكذلك الناشر ولربما من يعملون في المطبعة لديهم إلمام تام بالكتب وأسرارها سكناتها وحركات حروفها الدالة على معنى الكلمة

5

  kh3lid

  يناير 5, 2017, 11:03 ص

مرحبا بالجزائر العظيمة بفضل تضحيات وصمود ابطالها .. المعتزة الشامخة بعروبتها .. الناهضة المتقدمة بشبابها.. شكرا لك ولقلمك سيدتي الفاضلة ولصحيفة الرياض المتجددة"

6

  الفيلسوف/مسعود

  يناير 5, 2017, 12:40 م

السلام عليكم.مع الراحل نزار قباني الذي دون كلمات و ألقاها للفنانة ماجدة الرومي التي قالت بأن الذي كان يراقصها قال لها كلمات ليست كالكلمات.السلام عليكم.

7

  نايف لافي الحربي

  يناير 5, 2017, 4:47 م

هذه المرة الأولى التى أرى فيها مقال الاستاذة فضيلة أهنئك لقد شدني المقال مبدئياً .

8

  نايف لافي الحربي

  يناير 5, 2017, 4:51 م

لبنان تؤلف الكتب لأنها كانت بيئة حاضنة وطبيعة جميلة وشعب رايق ومقاهي وتطور جميل برأيي. الآن صراعات ومشاكل الله يكفينا الشر.

9

  منال

  يناير 11, 2017, 7:45 م

سيدتي فضيلة اكثر مايعجبني فروايات ومقالاتك هو وقعيتك وكتابتك للحقيقة كما هي اتمنى لك دوام الاستمرارية

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة