يقال إن رئيس الوزراء الياباني الأسبق في بدايات القرن العشرين (أووكوما شيجينوبو) عندما كان طالباً في المراحل الدراسية، تنافس في الكتابة بالخط الياباني مع أحد زملائه في المدرسة. ورغم مستواه العالي، وخطه المميز، فلم يتمكن من التفوق على ذلك الطالب، ومن يومها اتخذ أووكوما قراراً بأن لا يمارس الكتابة، وبدأ يركز على مهارات أخرى، إلى أن وصل لرئاسة الوزرا،ء مكتفياً بإصدار الأوامر شفهياً، ما عدا حالات نادرة للغاية...مقالة اليوم تناقش الفكر الإداري المتعطش للقمة والصدارة...

قد ينظر البعض لتصرف أووكوما كردة فعل مبالغ فيها ناتجة عن رفض الهزيمة. ولكن يمكن النظر إليها إدارياً بمنظور(الاختيار والتركيز). بكلمة أخرى تركيز الجهود والموارد على المجال الذي يمكن التميز والتفرد فيه، وعدم تكرار واستنساخ ما لدى الآخرين. فرفض الاستمرار بالمنافسة على جمال الخط، أدى إلى التركيز على مهارات أخرى قادت في نهاية الأمر للوصول لمنصب رئاسة الوزراء.

ونستعرض تجربة (ناجاموري شيجينوبو) في شركة نيهون دينسان اليابانية، التي تجاوزت مبيعاتها مؤخراً العشرة بلايين دولار أمريكي، حيث تعتبر الشركة الأولى عالمياً في المحركات الدقيقة، وتتجاوز حصتها السوقية ثمانين بالمائة. عند هذا المدير مقولة شهيرة هي:" أي مركز غير الأول لا معنى له". وهذا المنطق الذي يسير عليه في إدارته لشركته التي كانت تستحوذ على الشركات المفلسة، أو على وشك الانهيار. وبعد الاستحواذ على الشركة، يقوم بإرسال أحد من موظفيه كمندوب مهمته الأساسية تغيير أنماط التفكير لدى موظفي تلك الشركة، وإعادة برمجة عقلياتهم على مبدأ :" أي مركز غير الأول لا معنى له". وفعلاً تنجح تلك الشركات في تغيير المعادلة، وقلب الطاولة، وتحقيق الأرباح، وحصد المراكز الأولى في مجالاتها.

ويشرح ناجاموري سبب تمسكه بالمركز الأول، بأن الأمر شبيه بسباق الماراثون، حيث من يجري في المركز الثاني سيبني جميع قراراته بالمقارنة مع من أمامه في المركز الأول، حيث إن أسرع أسرع معه، وإن أبطأ أبطأ معه، وهكذا. بينما من يقود السباق في الصدارة، عليه أن يتخذ جميع القرارات بناء على ما يراه، وحسب ظروف البيئة المحيطة، دون اكتراث حقيقي بمن خلفه. ولذلك يرى ناجاموري أن الإدارة الحقيقية تكون لمن يقود في المركز الأول فقط!

وقد يكون من المهم التركيز على حصد المركز الأول، ولكن الأهم من ذلك الحرص على التميز والتفرد، بحيث يمتلك الفرد أو المؤسسة أو الدولة، خبرات وتقنيات تجعلها فريدة من نوعها، ولا يستطيع أحد منافستها في ذلك المجال. فمجرد استنساخ الآخرين لن يسمح بالتفوق عليهم، وسيخلق منافسة قوية في مجال يسهل فيه دخول المنافسين.

وأيسر الطرق للوصول إلى التفرد في المجال، هو الاستثمار بقوة في التطوير على مختلف المستويات للإتقان، والابتكار الذي سيميزك عن المنافسين الآخرين.

وباختصار، لا تكن الأول بل الوحيد في مجالك!