تبقى رؤية المملكة العربية السعودية لـ 2030 حلم وطن وهاجس مواطن، فالآمال معقودة عليها لترتقي بوطننا الطموح ليكون متميزاً بمجتمع حيوي واقتصاد مزدهر وتعليم متقدم، فرؤية 2030 مشروع نهضوي شمولي يهدف إلى إعادة هيكلة كافة قطاعات الدولة من وزارات ومؤسسات من أجل تحقيق أفضل الممارسات العالمية؛ لذا انطلقت حزمة من البرامج التنفيذية المنبثقة من رؤية المملكة العربية السعودية 2030 والتي يعوَل عليها في تمهيد الطريق أمام تحقيقها، فعلى سبيل المثال لا الحصر برنامج التحول الوطني 2020 أحد تلك البرامج حيث نصت الوثيقة التي تُعرِف بالبرنامج أنه جاء "للمساهمة في تحقيق رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وإدراك التحديات التي تواجه الجهات الحكومية القائمة على القطاعات الاقتصادية والتنموية في سبيل تحقيقها". صيغت أفكار وثيقة التحول الوطني 2020 من قبل 24 جهة حكومية تعد على قائمة القطاعات الاقتصادية والتنموية فانبرت تلك الجهات الحكومية بعمل دؤوب استمر بضعة أشهر في تحديد التحديات التي تقف عقبة أمام نموها وتطورها ثم وضع الأهداف الإستراتيجية التي تساعدها في تخطي تلك العقبات، فكان لوزارة التعليم نصيبها من الأهداف الإستراتيجية والتي كان من أميزها الارتقاء بجودة البحث العلمي والابتكارات إلى منتجات تسهم في بناء المجتمع المعرفي. وأحسب أن هذا الهدف الإستراتيجي يلامس صميم ما ينشده برنامج التحول الوطني وهو تنوع مصادر الدخل وخفض الإنفاق العام بنسبة 40%. فالاستثمار المعرفي في الأبحاث العلمية سينال قدراً كبيراً من التركيز في الأعوام القادمة وهذا التركيز سيمتد إلى رفع نسبة الدعم المالي للأبحاث، وإلى تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص داخلياً والجامعات ومراكز الأبحاث العالمية خارجياً وسيقع على الجامعات السعودية بكراسيها العلمية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية المسؤولية العظمى من حيث الارتقاء بالبحث العلمي وفق الرؤية الجديدة التي يترجمها برنامج التحول الوطني 2020 والتي ترمي لتقوية الأواصر بين احتياجات الوطن التنموية والبحث العلمي. فلن يكون الباحث كسابق عهده مجدِفاً ضد تيار العصر ومتغيراته في أبحاثه بهدف الحصول فقط على الترقيات العلمية بل ستُجرى الأبحاث العلمية وفق الأهداف الإستراتيجية الممهدة لتحقيق الرؤية السعودية 2030 والمنسجمة مع تطلعاتها وستكون تلك الأهداف الإستراتيجية وشيجة تجمع ما بين المراكز الأكاديمية الممولة للبحث العلمي والباحث فهي خارطة طريق تقود الباحث إلى النهوض بمستويات العلوم والمعارف والتكنولوجيا والابتكارات التي تلائم روح العصر وتخدم اقتصاد الدولة وتدعم إيراداتها المالية وتخفف من أعباء استيراد السلع والمنتجات التي بلغ مجمل الإنفاق عليها نحو 350 مليار ريال مُشَكِلةً أكثر من 50% من واردات المملكة التي بلغت 650 مليار ريال سنوياً. فهذه النقلة النوعية في البحث العلمي ستمتد أيضاً نحو تجسير الفجوة بين القطاع الخاص والكوادر البحثية، وسيتم ذلك عبر مضاعفة رفع مستوى إدراك الكوادر البحثية بأهمية التركيز على المكونات التنموية بشكل فاعلي والإلمام بالابتكارات المعرفية الجاذبة للاستثمار الأجنبي، وكذلك بتعزيز إيمان القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي في الارتقاء بمنشآتهم وتنميتها تنمية يعود نفعها على عوائدها المالية..

ومن منطلق الأهداف الإستراتيجية لبرنامج التحول الوطني 2020 سيصبح الاستثمار في البحث العلمي مصدراً من المصادر المتنوعة لدخل الدولة لا يقل أهمية عن الاستثمار في المجالات الأخرى، وسيساعد اقتصاد الوطن في الخروج من عباءة النفط، فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة قد سبقت الجميع في الاستثمار المعرفي لاسيما في تقنيات المعلومات التي ضاعفت أميركا الاستثمار فيها من 243 ملياراً إلى 510 مليارات دولار بين عامي 1995 و1999 وقد كان لهذا الاستثمار عائد ضخم على الخزينة الأميركية، ومثل ذلك في روسيا حيث أثبت الباحث الدكتور محمد صادق عبر الإحصاءات (أن الأرباح الصافية المترتبة على تطبيق نتائج البحث العلمي قد حققت زيادة في العملية الإنتاجية بمقدار 200% وأن كل روبل ينفق على البحث العلمي سيعود سنوياً على الدخل القومي بـ3-5 روبل).

فلسنا عاجزين عن اللحاق بتلك الدول المتقدمة علمياً ومعرفياً متى ما أزلنا التفكير السلبي الذي يساور البعض حول برنامج التحول الوطني 2020 وسرنا باستقلالية في التفكير مستشرفين المستقبل بخطى طموحة وروح متفائلة.