لم يعد المشهد الروائي اليوم بذات ألق السابق!!

كانت الرواية قديماً نوعاً من العبور إلى اللغة.. إلى أفق آخر من الدهشة.. كانت نوعاً من العبور إلى الحياة!! كانت الرواية في وقت مضى، تحدياً للإنسان ذاته أن يعود بقلبه إلى الوراء ويسجل حدثاً ما، ولم تكن الرواية أبداً في لحظة من اللحظات حدثاً اعتيادياً يتكرر كل يوم!!

لم يكن روائيو الماضي يراهنون على الجوائز، ولا على الشهرة، والوصول إلى منصات التكريم. كانوا يكتبون مشهداً من الحياة ليعبروا إليه، ولينالوا قسطاً من الراحة بعد التعب، الذي تعيشه أرواحهم في ظل الصخب. كانت الرواية بالنسبة لهم، رحلة إلى الداخل، إلى حيث القلب يكتب أحلامه بهدوء على صفحة من السماء!!

كانت الرواية سابقاً، تعبّر عن الإنسان.. عن مآزقه.. عن تحدياته.. عن شعوره بالغربة.. عن شعوره بالتفرد في هذا الكون الوسيع.. كانت تعبّر عن رحلته إلى عوالم غريبة ومختلفة.. كانت الرواية أنشودة حنين ما أن تقرؤها حتى تصاب بوخزة في أعمق نقطة في القلب!!

روائيو الماضي كانوا يعلمون جيداً أن أعمالهم هي ما يخلدهم، وليست الجوائز هي من يفعل!! كانوا يدركون جيداً أن هناك علامة فارقة يتركونها في التاريخ، هي رواية يعلقون بها الجرس، ويتركون المشهد ويغادرون في صمت، دون ضجيج، دون أوهام، دون صخب!!

لم تعد الرواية اليوم بذات ألق السابق!!

ولكن ما الذي حدث؟! ما الذي تغير؟ كيف انقلب الروائيون على كل المعاني التي كانوا يؤمنون بها؟! كيف تركوا رواياتهم تبحر إلى اللامكان؟ من جعل من الرواية بهذا الكم دون كيف؟! من جعل الرواية فناً ثقيلاً وغير مقبول؟! من أطلق الرصاصة على الرواية في أيامنا هذه؟

روائيو اليوم هم أقل دهشة من روائيو الماضي!! هذا ما يظهر لنا من إنتاجهم الذي اعتنى بالكم دون الكيف!! أصبحت الرواية اليوم مشهداً مكرراً ومملاً وخالياً من معنى حقيقي ينقل القارئ من حالة إلى أخرى!!

التقيت بروائي ذات محفل ثقافي، ودار بيننا حوار طويل حول المشهد الروائي، والإنتاج الروائي، ورؤيته حول كل ذلك. كان من المحزن حقاً أن حديثه كان سطحياً جداً، وخالياً من القيمة والمعنى. كان حديثه مرتكزاً حول اتهام الآخرين بعدم الفهم، وعدم تقدير الكتابة والرواية، وأن الكثير من المحكمين في الجوائز متحيزون، ولديهم موقف شخصي منه!!

حينما تكون هذه نظرة الروائي، فما الذي نتوقعه من إنتاجه؟! كيف يمكن له أن ينتج أدباً وفناً روائياً مدهشاً؟! كيف يمكن له أن يكتب رواية تعبر بالقارئ إلى قلب الحياة؟ إلى قلب الوعي، إلى قلب الوجد الذي يحمله إلى عوالم من الوعي والتفكير.

مشهدنا الروائي اليوم بحاجة حقيقية أن يعود إليه المعنى الذي ضاع منه. بحاجة إلى أن يعي روائيونا أنهم يمسكون بأرواح قرائهم قبل أن يمسكوا بأقلامهم ويكتبوا رواية أقل من الحياة.