حين تتعرض الحياة الزوجية للانهيار بسبب أو بآخر، وتتحطم جميع وسائل الإصلاح ويستحيل استمرار الحياة الزوجية، يصبح الطلاق ضرورة ملحة كآخر وسيلة لرفع المعاناة وإنهاء الضرر بين الزوجين.

وعندما نستعرض قضية الطلاق، لا يخفى على القارئ الكريم أن الطلاق استحوذ على الكثير من الدراسات والمقالات الصحفية، لكنها في معظمها كانت تتمحور حول قضية الطلاق أو الانفصال بين الزوجين وأثر ذلك على حياتهما، إلا أن قليلا من الدراسات والأطروحات تناولت هذه القضية الاجتماعية على مستوى أوسع وأشمل، وقليل أيضاً من الدراسات التي تناولت تبعات هذا الموضوع على المجتمع.

ومن هنا حاولت أن يكون لدي طرح آخر أو هكذا أحاول أن أكون مختلفا في تناول هذا الموضوع الاجتماعي المهم، وذلك من خلال البعد الذي يقع على المجتمع كاملا من عملية الطلاق بما فيه المطلق والمطلقة والأبناء.

ولعل ما أوردته وزارة العدل السعودية حول نسبة الطلاق مؤخراً، حيث أشارت الوزارة إلى أن نسبة حالات الطلاق بلغت 26.3% في عام 2015م، وبالرجوع إلى النسبة عام 2014م نجد أن هناك زيادة قدرها 5% في عدد حالات الطلاق، وهي زيادة تؤكد بأن هذه الظاهرة في ازدياد مما يحتم على المجتمع التصدي لها بكل الطرق الممكنة.

وحيث أن خطر الطلاق لا يقع على الزوج والزوجة فقط، بل هو خطر يمتد إلى كافة أفراد المجتمع، تتضح أهمية الحاجة إلى مناقشة الطلاق كقضية اجتماعية، لا سيما أن عملية الطلاق ينتج عنها من المشكلات الاجتماعية ما قد يكون أعظم خطراً من الطلاق نفسه على الزوجين، دون تقليل من الأضرار الواقعة عليهما، إلا أن الضرر البالغ يقع على المجتمع والذي أحاول أن أشير إليه من خلال ذكر بعض هذه الأضرار.

فما تعانيه المرأة من ألم الطلاق نتيجة نظرة المجتمع لها، قد يدفعها إلى طرق غير سوية لكسر العزلة التي تعيشها نتيجة لهذه النظرة القاصرة، الظالمة للمرأة المطلقة.

كذلك فإن ما يقع من أثر نفسي على المرأة والرجل بعد الطلاق، وما يلحق بذلك من أعباء مادية وزيادة الأعباء الاقتصادية عليهما، كدفع النفقات وغيرها مما قد يجبرهما على سلك طرق غير مشروعة لتوفير المال.

ومما يتبع عملية الانفصال أيضا أو ما قد ينتج عنها من حقد وكراهية وعداوة بين الطرفين، تمتد إلى أسرة المنفصلين وتولد كثيرا من المشاحنات والمشاجرات التي ربما تصل بالمجتمع المحيط أحيانا إلى عدم الاستقرار، خاصة إذا ما اتسعت الدائرة وشملت عوائل الزوجين، هذا بخلاف المخاطر والأضرار الجسيمة التي يتعرض لها الأبناء في حالات طلاق الوالدين.

وبالنظر إلى هذه الأضرار التي أشرت لها على سبيل المثال وليس الحصر، نجد أن التفكك الأسري الذي يصيب الأسرة نتيجة للطلاق له أبعاد تمتد إلى المجتمع.

بدءًا من الجريمة على اختلاف أنواعها، والانحراف الفكري واعتناق الأفكار الضالة، والدخول في دوائر الإرهاب والجماعات المتطرفة، وارتفاع حالات الإدمان وتعاطي المخدرات وغيرها من الانحرافات التي تهدد أمن وسلامة المجتمع، نتيجة لغياب الرقيب والمسؤول عن الأسرة بفعل الطلاق وتشرد الأبناء، مما يكلف المجتمع الكثير في إصلاح أو معالجة ما ينتج عن الطلاق، من عواقب وأضرار.

وهنا لابد أن تتولى المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية والمهتمين بهذا الشأن، مسؤولية التعامل مع الطلاق كقضية اجتماعية يفرضها الواقع، ومن هذه المؤسسات الجمعية السعودية لرعاية المطلقات والأرامل (أيامي)، التي قد تكون الوحيدة في هذا الأمر، واعني هنا الاهتمام بما بعد الطلاق مع التركيز على الجانب التوعوي والإرشادي، واستثمار كافة الوسائل لتوعية المجتمع وزيادة الوعي بهذه المشكلة.

ومن هذا المنطلق أتمنى على وزارة العمل والتنمية الاجتماعية إنشاء هيئة تعني بشؤون الأسرة بشكل عام، وبحالات الانفصال (الطلاق) بشكل خاص، لتكون مرجع مسؤول عن الأسرة في حفظ حقوق كل الأطراف، مطلق أو مطلقة أو أبناء، وذلك برعاية المطلقين والمطلقات وأبنائهم وتحصينهم نفسياً وفكرياً ضد أي انحرافات تساهم في تفاقم أضرار الطلاق. وفي ذات السياق أيضاً لا بد من تجاوز المؤسسات الاجتماعية والجمعيات الخيرية المعنية بقضايا الأسرة والمجتمع الأطر التقليدية العقيمة، في بحث قضية الطلاق وحصرها في حالة الطلاق فقط، دون التفكير فيما هو أخطر من ذلك وهو ما قد يصيب النسق الاجتماعي من قصور أو خلل في أداء وظيفته بسبب تبعات الطلاق.