لو انتقدتَ ما شئتَ من فلاسفة العصر وحكمائه، وعدوتَ على أهل العقول في ماضي الزمان وقديمه، وتناولت بالسخرية حكماء المشارق والمغارب؛ لرأيتَ الجمهور يهشون إليك، ويبشون من حديثك، وتأخذهم سَوْرة الفرح (شِدته) أن رأوك تدحض أقوالهم، وتدفع آراءهم، وتغلبهم في علومهم وأنت البعيد عنها، والخاوي إلا قليلاً منها، يُقبلون على حديثك، ويُصيخون بأسماعهم إليك، ولو كنتَ ضعيف التحصيل هزيل الفهم مُزجى البضاعة، لا تعرف من الأشياء إلا أسماءها، ولا تُدرك منها إلا مصطلحاتها، هذه حالنا اليوم، وهي إحدى مشكلاتنا الكبرى، وتحدياتنا العظيمة، ومن أولوياتنا، نحن أهل هذا العصر، أن نُصلح ما استطعنا من حالنا هذه، وندْرأ خطرها عن أبنائنا وأهالي زماننا، فهي علة الإنسان، ما كان زمانه ومكانه، وهي مرضه الأضرّ، ومصيبته الدُّهْيَا (مؤنث الأدهى).

ولو كان نقدك للعرب والمسلمين، وحميّتك لإصلاح ما تراه فيهم، ونزوعك في دراستك لقومك وأهل بيت ثقافتك؛

أنتقد ابن خلدون، وأُعيد النظر في خطابه، وما خالطه من ظلمٍ رأيته للعرب، وتعدٍّ عليهم؛ لأن ما تركه الرجل، وأورثه لنا، جزء من تراثنا، وبعضٌ من تركة أسلافنا، وهو أشد أثراً فينا، وأدخل في صبغ عقولنا، من حديث فيلسوف غربي، يتنكّر له الكثيرون

للامك الناس، وغضبوا عليك، ورأوا في فعلك تعدّيا على الأسلاف، وازدراء لهم، وعدّوا ذاك منك غفلة لا يُجبر صاحبها، وسهوة لا يُستطاع تجاوزها، ولعدّوا ذلك منك خروجا عن اللياقة، وبعدًا عن مذاهب الرشاد؛ فكل شيء يستطيع العرب، والمسلمون كذلك، قبوله إلا نقد أسلافهم، وتخطئة أئمتهم، فتلك الداهية التي تُزعج الجميع، وتقلقهم، وتضعهم حيال أمر لا يجدون له سببا، ولا يعثرون له على علة، فتراهم يضعون أمام من يُحدّث نفسه بذلك الخطوطَ الحمراء كلها، ويحشدون له ما يستطيعون من أخطار إنْ هو همّ بذلك وأراده؛ فالدين يختلّ نظامه، والأمة تهتز قناعاتها، والناس تزهد في تراثها، يفعلون ذلك كله، لعل الناقد يدع نقدهم، ويشغل نفسه بغيرهم.

ما طرحه الأسلاف، وأفادوا به عصرهم وأهله، خالد خلود الجبال، وباقٍ ما أنّ في السماء قَزَعة (سحابة)، وفي البحار ملوحة، وما تأتي به الأمم من حولنا، وتجيش به قرائح أسلافهم ومعاصريهم، فهو سهل النقض، يسير الرد، بأدنى حجة يقنع الجمهور ببطلانه، ويُسارع إلى نفض يده منه، تراهم يستمسكون بأوْهى المذاهب، ويحرسون أضعفها، ويرفضون أقواها على البقاء، وأقدرها على المواصلة، لا يدعوهم إلى هذا إلا النشأة عليها، والْمَرْبى بين يديها.

يجْرُؤ الناس على نقض رؤية هيجل في الشرقيين، ويتشجعون على رينان في موقفه من العرب، وتضعف قوتهم حين يسمعون حديث ابن خلدون عن العرب، ويقرأون أقواله فيهم، ويسعى بعضهم إلى تخريج قوله، وتأويل حديثه، وهو أشد على العرب في نقده، وأعظم أثرا فيهم، يقبلون منه ما لا يرضونه من غيره، ويفخرون بقوله، ويتجهّمون حين يُلقى إليهم قول سواه.

كنتُ ككثيرين غيري قرأت عن ابن خلدون، وأُعجبت بأَطاريحه، التي اعتنى بها الباحثون وأطراها الدراسون، وبقيتُ على تلك الحال زمنا غير قصير، لا أعرف من شأنه إلا العبقرية، ولا أردد فيه إلا المدح والثناء، ولمّا قرأت مقدمته، وتولّيت فهم خطابه، وآنستُ من نفسي رشدا في إدراك مغازيه؛ وجدته يجلد العرب جلدا، ويَفري أديمهم فريا، فلم أستسغ قوله، ولم أمل إلى رأيه، وعجبتُ من الباحثين الذين يُجلّونه فقط، ولا يُبدون آراءهم في نقده، وآمنتُ وقتها أن لا أقبل برأي الناس في امرئ حتى أختبره، وأطّلع على دخيلة أمره، فكل شيء تسمعه يحول سرابا حين تختبره، وتبلوه حقيقته، ومنذ ذلك الحين وأنا أدينُ لهذه الفكرة بكل ما أقوله، وأفكر فيه، وأكثر ما أُقاسيه معها أنها تغيب عني، وتحتجب خلف ضعفي حينا، فأجري مع الجارين، وأمضي مع الماضين، وأغفل عن اختبار ما أسمعه، وأسهو عن ابتلاء ما أجده.

لماذا أنتقد ابن خلدون، وهو الأستاذ الكبير، والعلم الشهير؟ ولماذا أقصده بالقراءة، وأُفتّش في كلامه، وأُبرز في العرب رأيه وأحاديثه؟

أنتقد ابن خلدون، وأرتاب من خطابه عن العرب؛ لأنه عربي مشهور، تداول العالم مقدمته، وانتفع من رؤاه، وكان له أثر كبير في تكوين العقل العربي، وصناعة آفاقه، وإذا كنتُ أرفض ما يقوله بعض الغربيين عن العرب، وأتأفف منه، وأرى فيه مبالغة عظيمة، فأنا إلى نقد أقوال ابن خلدون، وإعادة النظر فيها، ومراجعته حولها، أقرب وإلى ذلك منه أسرع؛ إذ هو الألصق بهم، والأعرف بما عندهم، فكيف يكون كل ذلك منه؟

أنتقد ابن خلدون، وأُعيد النظر في خطابه، وما خالطه من ظلمٍ رأيته للعرب، وتعدٍّ عليهم؛ لأن ما تركه الرجل، وأورثه لنا، جزء من تراثنا، وبعضٌ من تركة أسلافنا، وهو أشد أثراً فينا، وأدخل في صبغ عقولنا، من حديث فيلسوف غربي، يتنكّر له الكثيرون، ويزورّن عن قوله؛ لأنهم يرونه مدفوعا في قوله بعصبية مقيتة، وعداوة قديمة!.

ربّما يكون ابن خلدون العربي الوحيد الذي شُغل بالعرب، وسعى جاهدا أن يفسر ما أصابهم ونزل بهم، وكان حديثه مقصورا عليهم، ومثل هؤلاء الأفراد الذين يُقدمون تصورات عامة عن شعب من الشعوب، وعرق من الأعراق، يُظن بالبحث أن يضعهم نصب عينيه؛ خاصة إذا كان لهم تأثير مزلزل على أذهان الناس وثقافتهم، فالاهتمام بمثل ابن خلدون يدعو إليه إنصاف ماضي العرب، ويتطلّبه حاضرهم، ويأخذنا بنا إليه مستقبل هذا العرق؛ لأنه قائد من قواده، ورجل من رجالاته المعدودين، فما كان قوله عنهم، وما كان حديثه فيهم؟

مما قاله ابن خلدون في العرب: "لأنهم أقدر على التغلب والاستبداد كما قلناه، واستعباد الطوائف لقدرتهم على محاربة الأمم سواهم؛ لأنهم ينزلون من الأهلين منزلة المفترس من الحيوانات العجم، وهؤلاء مثل العرب وزناتة.."(مقدمته، 145).

وأعظم من هذا قوله: "فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وأن رزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدّ ينتهون إليه"! (مقدمته، 149). هذا هو ابن خلدون الذي يُطريه العرب ويذكرونه، ويفخرون به، يجعل ما ترى من ذميم الخلق ومستبشعه طبيعة لهم، وهو القائل قبل هذا بصفحات: "الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه" فما كان يريد بالعرب ويقصد بهم في كتابه؟