ذات أمسية حارة في مدينة "كوليمان" بتكساس، كان أفراد العائلة يلعبون الدومينو في شرفة المنزل، وفي لحظة ما اقترح الحمو أن يتناولوا عشاءهم في مدينة "أبيلين" "85 كلم شمالاً"، قالت الابنة "تبدو فكرة عظيمة".. زوجها ورغم أنه كان يفكر بجميع تحفظات الحاضرين، كالجو الحار والمسافة الطويلة.. لكنه يرغب أن يكون متناغماً مع المجموعة، فيقول لزوجته: "تبدو مناسبة لي.. أتمنى أن يكون لدى والدتك الرغبة بالذهاب" ترد والدة الزوجة: "طبعاً أرغب الذهاب.. لم أذهب إلى أبيلين منذ فترة طويلة".

الرحلة لم تكن رائعة.. فالطريق طويلة والجو حار، والطعام كان سيئاً كما الرحلة، أحدهم قال: "كانت رحلة رائعة، أليس كذلك؟" ترد والدة الزوجة أنها كانت تفضل البقاء في المنزل، لكنها ذهبت لأن البقية كانوا متحمسين للرحلة، غير أن زوج البنت يفصح: "أنا لم أكن سعيداً بالخروج، فعلت ذلك فقط لإرضائكم"، هنا قالت زوجته: "أنا خرجت لتكون سعيداً، يجب أن أكون مجنونة لأفضل الخروج في هذا الجو الحار" الحمو يقول إنه اقترح الرحلة فقط لأنه شعر أن الجميع أصابه الملل. وبعد موجة من الاتهامات المتبادلة بقوا جميعًا في صمت وحيرة لأنهم أدركوا أنهم قرروا "معاً" الذهاب في رحلة لم يرغب بها أحد منهم.

ما سبق من قصة تتكرر كثيراً وبأساليب متنوعة هي "مفارقة أبيلين"، والتي ابتدعها عالم الاجتماع "جيري هارفي" معتمداً على مفهوم وتطبيقات "التفكير الجماعي". تلك المفارقة تحدث حينما تتخذ مجموعة من الأفراد بطريقة جماعية قرارات معاكسة لرغبات أكثر أو جميع أفراد هذه المجموعة! ذلك أن المجموعات الصغيرة تميل إلى احترام قادتها ووحدتها، وبالتالي تتخذ قرارات مشوّهة ومعطوبة، يعود سبب ذلك إلى رغبة تلك المجموعات الاحتفاظ بتماسكها وإجماعها، لذا يغض أعضاء المجموعة الطرف عن مشاكلهم ورغباتهم الشخصية خلال عملية اتخاذ القرارات، بهدف حفظ التماسك والإجماع، وكذلك خوفاً من "اضطراب قلق الانفصال" عن مواكبة قرار الجماعة، وبالطبع تحاول المجموعة إقناع نفسها أن قراراتهم الجماعية معاً رائعة وأن تحقيقها النجاح أمر طبيعي، غير أن النتيجة بالطبع غير مناسبة للجميع.

إشكالية غياب التنوع داخل المجموعة، وعدم تشجيع الآراء المختلفة؛ تؤدي إلى كبح جماح الاختلاف وموت الإبداع، لذا يبدأ الأفراد الميل نحو التوفيق بين آرائهم الخاصة والاتجاه العام للمجموعة، وغالباً ما تكون النهاية تحوّل رأي الأقلية إلى عزلة صامتة عن المجموعة، وهو ما يحدث غالباً في اللجان والمجموعة الكبيرة والعسكرية.

تكاد تكون المشكلة الأساسية في الاجتماعات دوماً ليست الصراع حول القرارات وإنما عدم القدرة على التعامل مع الاتفاق، ذلك أن معظم نتائج إجماع القرارات يكون إجماعًا زائفًا يضر المجوعة نفسها؛ لذا يقترح دوماً التعامل بأسلوب هجومي مع هذا الإجماع الصوري، عبر سؤال أفراد المجموعة مباشرة: هل نحن ذاهبون إلى "أبيلين"؟! حتى يتشجع الآخرون للإفصاح عن مخاوفهم وأفكارهم المختلفة، وحتى لا نذهب جميعاً إلى "أبيلين"، ونحن "جميعاً" لا نرغب ذلك.

asalsultan@gmail.com