توقّفت مليّاً عند عبارة الكاتب والمفكّر المصري الكبير الراحل زكريا إبراهيم حين يقول: " القليلون هم أولئك الذين يستطيعون أن يفرّقوا - حين يقرأون – بين صفحات مليئة بالكلمات، وأخرى عامرة بالخبرات"!

إذ يعتقد زكريا أن الفيلسوف الذي ينطلق من خبرته المعاشة، يدرك أن ثمة خيوطاً أصيلة تدخل في تكوين نسيج هذه الخبرة، وأن من واجبه أن يُنحّي جانباً كلّ العناصر التاريخية، والشخصية، والعرضية، التي تلبّست بتلك التجربة، حتى يقف على مقوماتها الأساسية ومكوناتها الجوهرية.

كان هذا الرأي خلال تصديره لكتابه المهم "مشكلة الحياة " والذي يأتي ضمن سلسلة قام بتأليفها بعنوان "مشكلات فلسفية معاصرة " منها مشكلة الحرية ومشكلة الفن ومشكلة الحب وغيرها.

وكان المؤلف قد فكّر أن يقدم للقارئ كتابه" مشكلة الحياة" تحت عنوان آخر هو " لمسات من فن الحياة" لكنه تراجع عن هذه التسمية بعد أن وقع في ظنّه أن الحديث عن " فن الحياة "، لن يلبث أن يفضي إلى إيهام القارئ بأنه يطالع "تجربة شخصية "، أراد لها صاحبُها أن تكون مجرد نمط من أنماط الحياة، يعرضه على قُرّائه بلغة فلسفية أو على نحو تصوّري!.

يؤكّد زكريا ابراهيم في مقدمة كتابه "مشكلة الحياة "على أنه لن تكون هناك " فلسفة " ما لم يكن ثمّة جهد عقلي من أجل تجاوز العناصر الفردية، والعرضية، في تجاربنا الوجودية، والشخصية.

ويشير إلى أن آية ذلك أن الفيلسوف حين يتحدث عن "مشكلة الحياة "، فإنه لا يقتصر على وصف خبراته المعاشة، وكأن لسان حاله يقول:" أنا من أنا، ولكلّ أن يكون من هو! " ويمضي في توضيح رؤيته ليؤكد أن الحياة التي يتحدث عنها الفيلسوف لا يمكن أن تكون مجرد "تجربة شخصية " عامرة بالشحنات الوجدانية، بل هي أيضاً "ماهية " كلية ينقلها إلينا بلغة التصورات العقلية.

الكتاب دعوة للحياة وللتفكير، فالمؤلف يستعير مقولة قيلت لأحدهم يوماً: " ها هو ذا كتاب جيّد"، فكان جوابه: "إذن فسيكون أمامي يومٌ آخر لأعيش".

ويعلق زكريا بقوله: "نحن لا نطمع في أن نزيد حياة القارئ يوماً كاملاً، بل كل ما نأملُه أن يجد هذا الكتاب ساعة واحدة، إن لم نَقُل لحظة واحدة، يضيفها إلى لحظات عمره! ويضيف: لن يأخذ علينا القارئ - فيما نظن – أننا لم نقل له كل شيء، فإن القارئ ليعلم بلا شك أن السِّر في إشاعة الملل بين الناس هو الحرص على ذِكر كل شيء.

ومع أن الكاتب آلى على نفسه ألا يقول كل شيء لكن نجزم بأن الأسئلة الوجودية التي طرحها من مثل: لماذا أعيش؟ وما معنى الحياة؟ وهل تستحق أن تعاش ؟ تلك الأسئلة التي أثارها الإنسان ولا يفتأ يردّدها لارتباطها بوجوده، مع كل هذا فالكاتب قد واجه قارئَهُ بالعديد من الأسئلة وإن كانت عاجزة عن إزاحة النقاب عن تلك المعاني الفلسفية عميقة الغور.

بقي التأكيد على أن هذا الكتاب رحلة عقلية وفلسفية ممتعة في جميع فصوله التي تناولت مناشط الحياة من الفكر والفعل ومخاوف الحياة كالخوف من الفشل، والخوف من الشيخوخة كذلك الخوف من الموت ثم معاني الحياة وتحقيق الذات وتأكيد القوة وتأدية الرسالة.

وهو كتاب حريّ بالإبحار في خضمه مع تلك السلسلة التي قدمها هذا المفكّر الفذ الذي أهدى ثمرة فكره للمكتبة العربية كان حصيلتها أكثر من واحد وعشرين كتاباً فكرياً وفلسفياً فريدة في مواضيعها وعمق تناولها.