لم يدُر بخلد الشاب الصغير "سليمان" أنه سيتورّط عشقاً في "مهنة المتاعب" مع بواكير شبابه؛ فالمستقبل الوظيفي الذي يضع للتّو قدميه على أولى عتباته زاهٍ ومورق، فضلاً عن كون الوظيفة آنئذٍ سياجاً ودرعاً آمناً لمن هم في سنّه. لكنّ "الصحافة" و"مهنة المراسل الصحفي" تحديداً كانتا جاذبتين لولوج المغامرة والتضحية بالأمان الوظيفي سيما أنّ المراسلين -على ندرتهم وقتها- يعدّون الأكثر نفعاً ولولاهم لما فعلت الصُّحف و(المجتمع) - كما يشير ديفيد راندال- سوى التخمين والتعليق واقتيات الشائعات؛ فالمراسلون هم الصيّادون الجامعون، الذين يبحثون خارجاً عن معلومات طازجة، في حين يكتفي بقيّتنا بالتحليق حول نار المخيّم يلوكون دسم الأسبوع الفائت إلى حين عودتهم.

سليمان بن تركي العصيمي بعد أن حسم أمره وحزّ رأس تردّده مودّعاً العمل الحكومي لينضمَّ كعضو دائم في بلاط "صاحبة الجلالة"، واصل الركض الصحفي وقضى في رحابه ممارساً العمل الصحفي في بداياته في المملكة العربية السعودية منذ ما يربو على 38 عاماً، برغم المصاعب وضعف الموارد والإمكانات وضبابية المستقبل، إلا أن تلكم الظروف والمعوقات لم تقف حاجزاً أمام تقدّمه، فالذكاء والفطنة والسعي الدؤوب وراء الخبر دفعت به للمقدّمة ليحوز رضا وتشجيع معلّم الصحافة الأكبر تركي بن عبدالله السديري الذي وجد فيه ألمعيّة ووعياً لافتين ليحتضنه بروح أبوية موجّهاً ومؤازراً ومحفّزاً.

تدرّج الزميل العصيمي في سلمّ العمل الصحفي بتؤدة وعمل بعدة أقسام كان يثبت يوماً بعد آخر حضوراً فاعلاً وأداء مهنياً رفيعاً يؤكد موهبته ويثبت لمن حوله مقولة مفادها "أن التفوّق لا يولد بل ينمو، والموهبة قد تكون مُعطاة، ولكن لا قيمة لها ولن تنمو ما لم ننمّها. وقد لا تكون موجودة بالولادة، ولكن يمكن تنميتها. وفي كلا الحالين لن يحصل ذلك إلاّ بالتدريب العميق، وإشعال روح الشغف، والمثابرة. تلك العناصر التي تمنح حركة المرء قدراً هائلاً من سرعة الاستجابة والقدرة على الإبداع.

مسيرة "أبي تركي" الصحفية مسيرة مضيئة ودرس للأجيال في الدأب والمثابرة، فهو ينتمي لجيل كابد تعب وعثرات البدايات بما يختلجها من تحديات ابتدأت ولم تنتهِ سيما في ظلّ منافسة شرسة تشهدها الصحافة مع الأقنية الإعلامية المختلفة، فقد واكب "أبو تركي" المستجدات ولم يتخلّف قط عن تطوير "إدارة تحرير المحليات" التي قضى فيها أكثر من ثلاثة عقود ونيف، شهدت فيه "المحليات" تميزاً صحفياً لافتاً وضع الصحيفة في مقدمة الصحف المحلية والعربية. ولم يفتأ يقود فريقه من الزملاء بحرفية عالية، فباتت "الرياض" صوت المواطن الذي يبث عبره قضاياه ومشاكله وتطلعاته مع مواءمة متّسقة مع الهم الوطني عبر التحقيقات والأخبار والتقارير والأخبار والحوارات الصحفية الرصينة وفق معايير مهنية لا تقبل الابتذال والتلفيق أو الزيف أو الإثارة المفتعلة. كل ذلك في إطار صحفي إبداعي خلاق كان مثار تقدير وإعجاب القاريء والمسؤول معاً.

اليوم ونحن نودع الزميل سليمان العصيمي رئيس التحرير المكلف نشعر فوق حزننا لتوديعه بجبال من الامتنان تثقل كواهلنا نحن زملاؤه، فقد كان لطيف المعشر، بالغ الكرم والوفاء، يتقاسم مع أصغرنا همومه وتطلعاته بروح أخوية نادرة، وفي الوقت ذاته نشعر بفرح محفّز أنّ لديه طاقة، والطاقة بهجة هو أجدر باستهلاكها، فمثله خليق بالفرح وانتزاع حياته التي كاد أن ينساها في محرقة" الصحافة".

بقي أن نهمس في أذن "أبي تركي" وهو يترجّل منتصراً لحياته وشؤونه التي أغفلها، نهمس له بقول نيتشه:" إنّ أفضل نتائج الفوز العظيم هي كونه يحرّر المنتصر من خشية الهزيمة." لِمَ أستسلم عند الحاجة؟ يقول لنفسه. فأنا منذ الآن ثري بما فيه الكفاية كي أتحمّل ذلك".

image 0

سليمان العصيمي بصحبة تركي السديري وراشد الراشد - رحمه الله- وآخرين

image 0

image 0

الزميل العصيمي متحدثاً في إحدى الندوات

image 0

د.رضا عبيد، الزميل تركي السديري، والزميل سليمان العصيمي

image 0

سليمان العصيمي ويوسف الكويليت

image 0

الزميل العصيمي متسلماً درعاً تكريمياً لـ«الرياض»

image 0

نبراس تكرم رئيس التحرير سليمان العصيمي

image 0

قصاصة خبر عن استضافة الزميل سليمان العصيمي من التلفزيون العراقي، من أرشيف رمزي العتيبي