حين سُئل الطبيب النفسي النمساوي فيكتور فرانكل صاحب "مدرسة فيينا الثالثة في علم النفس" (بعد فرويد وآدلر) في لقاء متلفز عن الفرق بين هؤلاء الذين باستطاعتهم التغلب على مشاكلهم وأولئك الذين لا يستطيعون أجاب بقوله: العامل المهم هو القرار، حرية الاختيار، حرية اتخاذ القرار مؤكداً على أننا يجب أن نكون على هذا النحو وبهذا الشكل أو ذاك بصرف النظر عن الظروف حين تبدو أنها حددت تصرّفي بشكل كامل، أود أن أتصرف، وهذا معنى أن تكون انساناً.

هذا الرأي مجتزأ من حديث طويل مع هذا العالم والمفكّر الذي قدّم خلاصة خبرته وتجاربه في مشروعه العلمي والنفسي الكبير من خلال مدرسته التي آلت على نفسها البحث عن معنى الحياة والعلاج بالمعنى. ومن هنا تبرز أهمية هذه المدرسة العلمية المتميزة المليئة بالتأمّل الفلسفي العميق قادها تميزها وفرادتها لأن تفتح للبشرية آفاقاً جديدة في العلم، وهي العلاج النفسي بالمعنى، وهي نظرية -كما يُعرَف- تجاوزت حدود العلاج النفسي إلى فلسفة في علم النفس ونظرة صادقة إلى الإنسان والطبيعة البشرية والشخصية الإنسانية، قادت ذلك العلم الى تطوّر وتنامٍ واصبح معروفاً بـ"الصحة النفسية الإيجابية" الذي مهّد السبيل إلى تطور "القوة الثالثة" أو "الثورة الثالثة" في علم النفس وهي "الاتجاه الانساني في علم النفس"، وصولاً أيضاً إلى "علم النفس الإيجابي".

وما دام الحديث عن العلاج بالمعنى وبفيكتور فرانكل فالإشارة لكتابه المدهش "الإنسان.. والبحث عن المعنى/ معنى الحياة والعلاج بالمعنى" ضرورة ولا مندوحة عنها. فهذا الكتاب في تصوري أنه سفر ثقافي لا غنى لأي قارئ عنه، ليس للطاقة الإيجابية الفذة التي يبثّها فحسب، بل إنه درس عميق جداً في استثمار العقل والمعرفة في تجاوز كل المصاعب والمعوقات والهزائم والخيبات وكل ما قد يفسد حياة أي منّا. ومن يطلع على سيرة هذا العالم الفذ والتحدي الحياتي الذي خاضه وكيف تجاوزه يدرك بجلاء عظمة هذا المفكّر والعالم الذي حوّل بنبوغ فذ مأساته الحياتية إلى نجاح. فقد وجد فرانكل -وفقاً لما قاله"جوردون أولبورت"- وجد نفسه كسجين مخضرم في معسكرات رهينة للاعتقال، متجرداً متعرّياً في وجوده. فوالداه وأخاه وزوجته قد لقوا حتفهم في معسكرات الاعتقال أو أرسلوهم إلى أفران الإعدام بالغاز، أي أن كل أسرته عدا أخته قد هلكت في هذه المعسكرات. إن كل ما يملكه قد ذهب أدراج الرياح وكل قيمة قد تحطمت ليعاني من الجوع والبرد والقسوة ومن توقّع الإبادة في أي لحظة إلى آخر معاناته التي لا يمكن حصرها في كلمات.

ويتحدد جوهر نظرية فيكتور فرانكل في أن الإنسان إذا وجد في حياته معنى أو هدفاً، فإن ذلك يعني أن "وجوده" له أهميته وله مغزاه، وأن حياته جديرة بأن تعاش.

كتاب "الإنسان والبحث عن المعنى" حقيقة كما وصفه "جوردون أولبورت" عبارة عن درة نفيسة لقصة درامية تلقي الضوء على أعمق المشكلات الإنسانية. منها ما يقرره فيكتور فرانكل أنه: في الظروف القاسية التي يخبرها الإنسان تكون هناك على الدوام اختيارات مما يأتي به الشخص. ففي كل وقت تتأتى الفرصة لاتخاذ قرار، وهو القرار الذي يحدد ما إذا كنت تنوي أن تخضع أو لا تخضع لتلك القوى تهدد بأنه تسلبك من ذات نفسك.. من حريتك الداخلية! فنمط الاستجابة إزاء تلك الظروف إنما هو نتيجة قرار داخلي وليس نتيجة لمؤثرات تلك الظروف وحدها".