في وقت الضحى، كان أحد علماء الدين يشرحُ بعض الأحاديث النبوية الشريفة للحضور الذين اكتظ بهم جامع أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- وكان الشيخ يقرأ الحديث بلغة عربية فصيحةٍ دون لحنٍ ولا خطأ لغوي، ثم يشرح الحديث الشريف للحضور بلغتهم التركية.. من هنا ابتدأ السؤال لدى معد هذا التقرير عن مدى حضور اللغة العربية في تركيا.

لمحة تاريخية

بدأت العلاقة بين العنصرين العربي والتركي في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي.. وشكلت العناصر التركية النخبة العسكرية في بعض فترات العصر العباسي، وكان للتركمان دورٌ تاريخي تطرق إليه المؤرخون المسلمون كابن الأثير وابن كثير، وتطورت العلاقة مع انبعاث دور سياسي كبير للعنصر التركي منذ القرن الخامس الهجري، حيث نهضت الدولة السلجوقية، والتي اعتمدت العربية لغةً للعلم والثقافة، وبعدما أفل نجمها في الشرق الإسلامي نهضت قوة تركيةٌ أخرى هي الدولة العثمانية التي أسست في مطلع القرن الثامن الهجري، واتصل حبلها بالعرب في القرن العاشر الهجري حتى أفول نجمها قبل قرن من الزمان، وكانت اللغة العربية -إضافة إلى الفارسية- لغة العلم والثقافة في الدولة العثمانية، وكان السلاطين العثمانيون يتعلمونها في مرحلة الطفولة.

وظل الأتراك يكتبون لغتهم بالحروف العربية حتى أسست الجمهورية التركية التي ألغى مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك الحروف العربية واستبدل بها الحروف اللاتينية، وهو الأمر الذي لا يزال سارياً حتى الآن.

لكن اللغة العربية احتفظت بحضور خفي ونخبوي، تمثل في حضورها كلغةٍ أولى لقطاع من الأتراك العرب الذين يقطنون عادة في شرق تركيا والذين يشكلون نسبةً من الشعب التركي، كما ظلت اللغة العربية حاضرة في المدارس الشرعية والدروس الدينية، حيث لا يزال طلبة العلم الشرعي يتلقون تعليمهم الشرعي بدراسة متونٍ كتبها علماء أتراكٌ باللغة العربية، ويشكل تعلم اللغة العربية، والنحو والصرف والبلاغة جزءاً من مؤهلات طالب العلم الشرعي في تركيا.

السائح العربي

الأتراك العاملون في السياحة يتكلمون العربية لاحتياجهم إلى التواصل مع السائح العربي عموماً والخليجي خصوصاً، كما حرصت الحكومة التركية على وضع لافتات بالعربية في المطارات واللوحات الإرشادية والمعالم السياحية. وتحتضن تركيا جالية عربية كبيرة، من المواطنين الأتراك الناطقين بالعربية في المناطق الجنوبية الشرقية المتماسة مع سوريا والعراق، ومن العرب المقيمين في تركيا، ومن اللاجئين السوريين الذين يوجدون في تركيا بمئات الآلاف، وهذا الوجود العربي الكبير في تركيا فرض وجوداً آخر للفعاليات الثقافية العربية، وظهرت المكتبات العربية في إسطنبول.

وبطبيعة الحال: تضم اللغة التركية كثيراً من المفردات العربية، ويشير بعض الباحثين إلى أن ثلثي المفردات في اللغة التركية في العهد العثماني كانت عبارة عن مفردات عربية، وبعد تأسيس الجمهورية التركية حاولت السلطات حذف الكثير من المفردات العربية ولكن تلك المحاولة باءت بالفشل الذريع حيث لا تزال اللغة التركية المعاصرة تحتوي الكثير من المفردات العربية.

انبعاث العربية

كانت اللغة العربية مادة إجبارية في مدارس الأئمة والخطباء، غير أن حصتها من الخطة الدراسية ازدادت كثيراً في السنوات الأخيرة ضمن خطة حكومية تهدف فيما يبدو لبث اللغة العربية في المجتمع التركي بشكل متدرج، حيث وضعت اللغة العربية مادة اختيارية في التعليم الحكومي في المرحلتين: المتوسطة والثانوية منذ سنوات، واعتباراً من شهر سبتمبر الجاري سيتاح للأطفال الأتراك تعلم اللغة العربية ابتداءً من المرحلة الابتدائية.

وللتعليم العالي نصيب كبير من حضور اللغة العربية، فقد بلغ عدد كليات الإلهيات التي تدرس اللغة العربية قرابة مئة كلية، ولا تزال أقسام اللغة العربية تتزايد بشكل مطرد في الجامعات التركية الحكومية. ومنها: جامعة السلطان محمد الفاتح، وجامعة أنقرة، جامعة دجلة بديار بكر، وغيرها.

وبعيداً عن الميدان الأكاديمي، فإن ثمة مراكز ثقافية في تركيا تقدم للجمهور التركي برامج لتعليم اللغة العربية ويحضرها غالباً كبار السن، الذين يتعلمون العربية باعتبارها لغةَ الإسلام، واللغة التي تمكنهم من قراءة القرآن الكريم بحروفه العربية وبنفس اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، كما أن ثمة هدفاً سياسياً وحضارياً ترمي إليه السلطات التركية، وهو إعادة ربط الأجيال التركية بتاريخها القديم المكتوب بالعربية لغة أو حروفاً.

ترجمة الأدب

ورغم الفتور العربي الواضح في ترجمة النتاج الأدبي التركي إلى العربية؛ فقد عرف القارئ العربي عدداً من الكتّاب الأتراك الذين وجدت مؤلفاتهم طريقها إلى المكتبة العربية؛ كالمؤرخ التركي محمد حرب عبدالحميد، والشاعر يشار كمال، والروائي أورهان باموك، والروائية اليف شافاق، والكاتب الساخر عزيز نيسين.

image 0

image 0