قبل تقريبا ستة أشهر كان يعتقد كثير من السعوديين أنهم يستعدون لدخول عالم الأثرياء وبدأوا بتخيل سياراتهم الفارهة ورحلاتهم إلى مدينة ماربيا الإسبانية. ولكن كل هذه الاحلام أصبحت الآن كومة حطام مع الهبوط الحاد والمتكرر لسوق الأسهم. ويتوقع الكثير من الخبراء الإقتصاديين أن تلك الأيام التي كان فيها المستثمر يضاعف أرباحه ثلاث مرات بضغطة زر ستكون الجزء الحالم من قصة أسطورية كانت تتحول فيها قطرات الماء إلى نقود. الكثيرون كانوا قادرين على تجنب النهاية المأساوية لهذه القصة والتي يعرفها الجميع لو كانوا تدبروا قصة النجاح المذهلة للشيخ سليمان العليان - رحمه الله - والتي لم تكن أبدا تعتمد على الأساطير والأفكار الحالمة، ولكنها كانت القصة ذات الجذور الواقعية جدا والصعبة، ولكنها ككل قصص الكفاح انتهت إلى شعور مزيج من الحلم والفخر.

من يقرأ قصة الشيخ سليمان العليان سيفكر بشيء واحد على الفور وهو أن عقل هذا الرجل لم يعرف الراحة. إن حياته كانت أشبه بالنهر المتدفق بالأفكار الخلاقة الذي يبعث فيها طموحه اللامحدود قوة خارقة تجعل مخزون الطبيعة يسير وفق رغباته. وكانت رغباته التي لا يسمع غيرها تقوله له بشكل واضح أنه يجب أن يكون رجلا ناجحا ويحقق أهدافه بتكوين ثروة كبيرة، ولكن هذه الفكرة الرومانسية التي يحلم بها الكثيرون كل ليلة لن تحقق إطلاقا بمجرد التفكير بها أو تخيلها لذا لا يجب الغضب إذا لم تتحقق لأنها لم توجد أصلا، وهذا ما يفعله الكثيرون وهو بعكس ما يقوم به الشيخ سليمان العليان الذي كان يحلم كثيرا ويعمل أكثر. كان ذلك واضحا عندما كان يقضي ساعات بعد انتهاء اليوم الدراسي في المذاكرة وهذا ما جعله طالبا نابها وملفتا في إجتهاده ولم يمض وقت حتى أتقن اللغة الإنجليزية وهذه الخطوة كانت تعطي تصورا واضحا عن عقله الصغير في ذلك الوقت ولكن الثاقب. أن تعلمه للغة الإنجليزية كان أحد الأمور التي ساعدته ليكون مقربا من الأمريكان، ولكن هذا ليس كل شيء فيما يخص صفات الرجل الناجح والمغامر والطموح التي يملكها. فهو ترك وظيفته الجيدة في البحرين ليشتغل في الظهران بوظيفة أقل منها وعندما أصبح مسئولا عن المستودع في شركة (كاسوك) كان يظهر إهتماما كبيرا بمعرفة كل قطعة من القطع الموجودة فيه وكيفية استخدامها حتى أنه بعد مدة بسيطة أخذ يجد بدائل مناسبة للقطع غير المتوفرة. كان عقله مشغولا ليس فقط في معرفة كل كبيرة وصغيرة في عمله، ولكن إجادته بشكل يجعله قادرا على تطويره والإضافة إليه. هذه إحدى حِكمه. كان يقول: (من يقوم بعمل يجب أن يعرف كل تفاصيله) في النهاية اجتاحته أفكاره الطموحة التي تقول له لماذا لا يكون هذا المستودع له، ولكنه قام بالكثير من الجهد المضني (كان يساعد عماله في الحفر, وينام تحت الشاحنة إذا اضطره الأمر لذلك وحتى آخر حياته كان يصحو الساعة الرابعة فجرا ويجري إتصالاته مع المسئولين عن اعماله في مناطق مختلفة). دخوله عالم الأعمال في أمريكا كان يشير إلى العقلية الحديثة جدا التي كان يتمتع بها. إن عملية التواصل مع طرق تفكير شعوب تختلف اختلافا جذريا عن طرق تفكير المجتمع الذي ترعرعت فيه هي عملية قاسية جدا إلا على العقول المتجددة والتي تريد التطوير المستمر. منذ صغره كان الشيخ يطلق على رؤيته للأمريكان الصورة المكبرة عندما كان يراقب طبائعهم وتصرفاتهم الجدية والعملية جدا. وفي النهاية وجده الأمريكان الشخص المناسب الذي يرغبون في التعامل معه فقد كان عمليا جدا ولطيفا بشكل خالص. كان يقول عنه أحد الاشخاص الذين يقول عنه في وصف معبر: (أنه عقل خالص مع قليل من العاطفة)، ولكن مع هذا يبدو أن هذا الوصف غير دقيق جدا فيما يتعلق بتعاملاته مع موظفيه لأن القليل جدا من العاملين عنده تعرضوا للفصل وكان يعتمد على فكرة الفريق في العمل حيث يولي الكثير من المهام الحساسة للرؤساء عنده ويشاركهم في الحوار وخلق الأفكار وكان دائم البحث عن الأفكار المبدعة ولكن كل ما كان يشغل تفكيره هو العمل. كان الشيخ سليمان مبتهجا جدا عندما جمع أول مليون له ولكن هذا لم يكن إلا المليون الأول لثروة ضخمة ولكنه لم يبد أي بذخ أو تظاهر وكأن يحث ابناءه على عدم التبذير. كان يذهب الى السينما مع أولاده ويختار مكان الجلوس الأرخص لأن الأمر بالنسبة إليه لا يستحق دفع المزيد إذا كانوا سيتمكنون من مشاهدة الشاشة الكبيرة.

في المقطع الصغير الذي كتبه في مقدمة الكتاب عن سيرة حياته (من عنيزة إلى وول ستريت) قال أنه لا قيمة لأي شيء قام به غير العمل ويأمل أن يستفيد منه من يقرأ هذه السيرة. أننا بالطبع أحق من غيرنا بتأمل هذه القصة المذهلة من النجاح. انه من الواجب علينا وفي هذا الوقت الذي نمر بهذا الإرتباك الإقتصادي والإجتماعي أن نلتفت للماضي ونعرف قصة سليمان العليان مع النجاح والتي كانت قصة مع العقل والطموح والظروف لنضيء بها واقعنا.