كنت - وما زلت - أكن إعجاباً شديداً للكاتب المتقاعد فاروق لقمان. فقد تتلمذت على يديه وتابعت منذ صغري كتاباته في عرب نيوز ثم الشرق الأوسط - وأخيراً في الاقتصادية-. وقبل خمسة عشر عاماً - وكنت حينها ما أزال على مقاعد الدراسة - قرأت له مقالاً جميلاً بعنوان "أنهار تحت النيل". ومن فرط إعجابي بهذا المقال أخذت ورقة وقلماً وكتبت له فكرة غريبة طالما راودتني بخصوص نهر النيل. ورغم أن شقيقي حذرني من احتمال "لطش" الفكرة من قبل الأستاذ فاروق إلا أنه كان أنبل من ذلك بكثير حيث أعارني زاويته في ذلك اليوم وأنزل فكرتي "بالنص" وأشار في مقدمتها إلى أنها تخص قارئاً يدعى فهد عامر.. (وحدث ذلك بجريدة الشرق الأوسط في عدد الأربعاء 1990/12/19م في زاويته المعروفة (عالم بلا حدود)..

أما الفكرة بحد ذاتها فتعتمد على حقيقة أن هناك ستة مليارات متر مكعب من مياه النيل تضيع هباء في البحر المتوسط (ويحدث هذا في الوقت الذي تتصارع فيه دول النيل على قطرة ماء).. ورغم ضياع هذه الكمية الهائلة إلا أننا لا نستطيع لوم أي فريق كونها ضرورية لأغراض الملاحة والصيد وتخصيب الدلتا - وبالطبع تشغيل توربينات السد العالي!!

وللتوفيق بين المطلبين ظهر اقتراح بتخزين 1.5مليار متر مكعب من فائض أشهر الشتاء في بحيرة البرلس وتخزين 0.8مليار متر مكعب في بحيرة المنزلة في الشمال (بعد تجفيف مياهها المالحة)!

وهذا بالتأكيد اقتراح جيد، ولكن ماذا عن باقي المياه المتسربة إلى البحر الأبيض المتوسط (والتي تقدر بـ 3.7مليارات متر مكعب)!؟

اقتراحي بهذا الخصوص بسيط وواضح ويعتمد على تخزين مياه النيل (الفائضة) في منخفض القطارة في صحراء مصر الغربية.. فمنخفض القطارة يعد ثالث أكبر منخفض في العالم ويبلغ عمقه 133متراً وتزيد مساحته على مساحة الكويت. ولو تم ملؤه بمياه النيل العذبة لتشكلت بحيرة تغطي خمس مساحة مصر وتفوق بمراحل بحيرة السد العالي!

.. وفي ذلك الوقت - حين راسلت الأستاذ فاروق - كنت أعتقد أنني أول من فكر بهذا المشروع؛ ولكنني علمت لاحقاً أن أحد المهندسين الألمان اقترح مشروعاً مشابهاً عام 1916دعا فيه إلى شق قناة من البحرالأبيض المتوسط إلى منخفض القطارة - جنوباً - لاستغلال تدفق المياه في توليد الكهرباء. غير أن هذا المشروع أهمل فوراً بسبب الخوف من تسرب المياه المالحة إلى المياه العذبة في جوف الصحراء الغربية.. أما ملء منخفض القطارة (من فائض نهر النيل) فسيحقق مكاسب كثيرة ليس أقلها إنشاء مناطق سكنية وإصلاح أراض زراعية هائلة حول البحيرة الجديدة.. كما يمكن من خلال جذب المياه بـ(أنابيب مغلقة) تغذية توربينات كهربائية تولد 10% من احتياجات مصر الكهربائية.

.. ومهما تكن حجج المعارضين لهذا المشروع فإن اقتراح ملء منخفض القطارة سيكون من الفائض الشتوي لنهر النيل (وهذا يتطلب 30عاماً على الأقل).. وما شجعني مؤخراً على إعادة طرح هذه الفكرة هو أن الجيولوجيين اكتشفوا مؤخراً آثار نهر قديم متفرع عن النيل كان يمر في الواحات البحرية ويصب في منخفض القطارة.. وهذا يعني أن "المنخفض" كان في العصور الماضية بحيرة مياه عذبة - وكل ما سنفعله هو أن نعيد الأيام لسالف عهدها!