طريق الحرير هو الاسم الذي تم إطلاقه قديما على طريق تجارة الحرير فيما بين الصين من ناحية، وعبر آسيا كلها، إلى المناطق القريبة من إفريقيا وأوروبا من ناحية أخرى. ومن خلال هذا الطريق وعلى مساره، كانت تجري التبادلات التجارية، والتفاعلات السياسة والاقتصادية بين مختلف المناطق والقوميات. وفي العصر الحديث انتشر ما يعرف بطرق الحرير السيبرانية، أو الرقمية، والتي تعتمد على تقنية الاتصالات والمعلومات لتحقيق التواصل التجاري بين دول العالم، وذلك من خلال استخدامها كأدوات لدمج الموارد الرقمية فيما بين الدول، ولتحقيق التعاون الدولي في مجال البنى التحتية للمعلومات، ولتحليل الأنظمة التجارية السائدة وتنسيق اللوائح بين البلدان والمناطق لتفعيل سبل التجارة الإلكترونية فيما بينهم، وهو ما يمثل إعادة تنظيم لكوكب الأرض بحيث تحكمه روابط الاتصال الرقمي، وسلاسل التزويد الرقمية بين المراكز الحضرية الكبرى في العالم والتي تعمل كركائز لطرق الحرير السيبرانية.

كما تستخدم طرق الحرير الرقمية في سرعة توفير البيانات ونقلها على المستوى الدولي، وإتاحة سبل الاتصال السيبرانية المتعددة والآمنة التي تلبي المتطلبات المتزايدة لانتقال البيانات بين دول العالم، ومن ثم فقد أصبحت إدارة البيانات الضخمة- والتي أصبحت تعد من مصادر الثروة الجديدة التي تضارع النفط في قيمتها- أمرا حاسما في تشكيل تلك المراكز الحضرية.

وتسعى المملكة إلى تقديم نفسها كأحد هذه المراكز، وذلك بما لها من موقع جغرافي استراتيجي، فهي أهم بوابة للعالم بصفتها مركز ربط للقارات الثلاث، وتحيط بها أكثر المعابر المائية أهمية، وهو ما تم اعتباره أحد ركائز نجاح رؤيتها لعام 2030. فهذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي يمكنها من أن تتيح البنى التحتية الرقمية العاملة عبر القارات، وأن تستضيف مراكز البيانات الدولية، وتدعم شركات البرمجيات التي تقوم بخدمة سلاسل التزويد التجارية الرقمية، وكذا شركات الاتصالات التي تقدم خدمة النطاق العريض، وغير ذلك مما يتيح لها أن تقوم بدور ذي شأن في طرق الحرير الرقمية الدولية.

ويعتبر الإعلان عن مذكرة تفاهم بين المملكة والصين بشأن تطوير طريق الحرير الرقمي بين البلدين، ثم توقيع البرنامج التنفيذي لتفعيل تلك المذكرة، خطوة في سبيل تعظيم دور المملكة ومكانتها على هذا المسار، وذلك لما لهذا البرنامج من أبعاد رقمية متعددة. فقد تضمن تطوير وتعزيز أوجه التعاون وتبادل الخبرات بين البلدين في مجال تطبيقات الاتصالات وتقنية المعلومات، والتبادل التقني وتنمية الموارد البشرية في هذا المجال، ودعم التعاون في مجالات بناء المنصات، مما يفتح فرصا واسعة للتبادل التجاري الإلكتروني بين البلدين، ويمهد في نفس الوقت لتقديم المملكة لنفسها كمركز حضري رقمي للربط بين البنى التحتية على مستولى العالم، وكضامن مستقر وآمن لعبور البيانات الرقمية من الصين وإليها، لصالح المملكة أو أي من دول العالم.

ونحسب أن المملكة بهذا البرنامج تضع أقدامها على مسار ما أطلق عليه في مؤتمر دافوس الأخير "الثورة الصناعية الرابعة"، وهي التي يتم فيها طمس الخطوط الفاصلة بين المادي والرقمي والبيولوجي.

*عضو مجلس الشورى