فاجأنا بكل تقدير، الشيخ عبدالله المنيع، عضو هيئة كبار العلماء، برأيه الصريح في عدم مشروعية الولاية على المرأة العاقلة الراشدة (إلا في عقد الزواج)، في معرض رده لعكاظ على حملة شعبية نسائية كبرت شيئاً فشيئاً على وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم #سعودياتنطالببإسقاط_الولاية، التي حصلت على مركز يومي متقدم في "الترند" الخاص بالسعودية وهي تُراكم الأيام صعودا حتى تجاوزت الستين يوماً. إن شجاعة الشيخ المنيع كانت دوماً مثار إعجاب وتقدير لأمانته العلمية وحرصه على قول الحق حتى لو لم يكن متفقاً مع المفاهيم السائدة ولكثير من أفراد المجتمع الذين ألفوا دونية المرأة لظنهم أنها جزءاً من الدين.

قضية الولاية شائكة لأنها متصلة بالرجل ومصالح جمّة ترتبط بالسيطرة على مكونات إنسان آخر؛ علمه، عمله، ابتعاثه، قراراته، ماله، تجارته، خروجه ودخوله، سفره وإقامته، زواجه وعلاقاته وحتى خروجه من مستشفى أو معتقل. ومن المصالح ما يصبح مادياً بشكل كبير يكفي فيه إمكانية الابتزاز لمن لا يخاف الله، وهو أمر تشهده المحاكم يومياً، رغم أن ما يصل المحاكم هو ما استطاعت فيه المرأة أن تتجاوز عقبات كثيرة حتى تخرج من بيتها وتصل بلا سيارة وتجد قاضياً منصفاً يتناول قضيتها دون أن يكون في إجازة أو مستأذن أو أن ينصحها بالعودة إلى البيت ومسامحة "وليها".

الولاية وتعني الإعانة وتولي مهام شخص آخر بالنيابة عنه، نظام أسس له الفقه الإسلامي، والذي هو اجتهاد بشري يقوم على تنزيل النصوص إلى قوانين وأحكام على الأرض وعلى ظروف الناس وفق العصر الذي تم الاجتهاد فيه، لرعاية أموال وحياة الأشخاص غير القادرين على إدارة شؤونهم بأنفسهم لصغر سنهم أو عدم رشدهم، وبالتالي ارتبطت بالقصّر وغير العاقلين، وهؤلاء تسقط عنهم الولاية بوصولهم لسن الرشد والدراية، وبالعقل إن تعالج غير العاقلين. أي أن الولاية ليس لها صلة بذكر أو أنثى باعتبار الاثنين مكلفين بنفس الدرجة مجرد أن يصلا سن الرشد وهو سن الأهلية القانونية التي بموجبها يُحاسب الذكر أو الأنثى قضائياً لأي مخالفة دنيوية، ويبدأ كذلك الحساب الأخروي.

والولاية مبنية على آية "وابتلوا اليتامى، حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا "، (النساء: 6). وأنس الرشد هو المعيار الذي على أساسه يصبح اليتيم ولياً على نفسه، وقد قاس العلماء حال النساء على الأيتام حيناً وعلى القصّر حيناً وعلى غير العاقلين حيناً آخر. وفي كل الأحوال كان هناك تواطؤ على تجريدهن من ولايتهن على أنفسهن. وأصبح الأمر متصلا ًأيضاً بقوانين الحضانة والولاية على الأطفال وتمددت السلطات المُجيّرة لصالح الرجل بشكل غير منطقي يوماً بعد يوم وقرن بعد آخر حتى وصلنا العصر الحديث وتحولت تلك الاجتهادات إلى قوانين ما أنزل الله بها من سلطان، أصبح بموجبها أي رجل في العائلة يتحكم في كل تفاصيل حياة المرأة الراشدة العاقلة.

القرآن ليس فيه أي ذكر للولاية بالمفهوم المتعارف عليه في قوانيننا، آيات الولاية تتناول النصرة والمساعدة، والآية الوحيدة التي تحمل هذا المعنى، تأمر الجنسين بتولي رعاية الآخر "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (التوبة:9) وليس لهذه الآية تطبيق قانوني، بينما كل قوانين الولاية نابعة من حديث لابن ماجة خاص بالزواج، "لا نكاح إلا بولي"، حديث ضعّفه أبو حنيفة ويرى أن المرأة يمكنها أن تزوج نفسها بنفسها، والزواج يتطلب الرشد. والولي يكون للمساندة وليس لاتخاذ القرار بالنيابة عنها أو للإجبار كما تذكر كتب الفقه. فاستثناء الزواج بالولاية قضية فيها خلاف مذهبي سنتناوله في مقام آخر، لكن الولاية في القضايا الأخرى ليس عليها خلاف وفيها افتئات على حق النساء في أنفسهن.

ولعل مشكلتنا الرئيسية تكمن في تحديد سن الرشد للفتاة الذي ما زال كرةً في الأخذ والرد وكأننا نخترع الذرة.