تفتخر الدول المتقدمة بفنونها الشعبية، وتقيم لها المعارض، وتبني لها المتاحف ويتسابق لها الجمهور؛ معتبرين الفن الشعبي هو تراث الأمة وتاريخ حضارتها، وينبثق من ثقافتها، ويتولد من روحها، ويعتني به السياسيون والفنانون بمختلف مجالاتهم لأنه لغة الجماهير.

في المقابل ينظر الكثير من فنانينا إلى الفن الشعبي وفق منظور عامي على أنه دون المستوى أو كفن من الدرجة الثانية، ويوازي لديهم عبارة "البيت الشعبي والأحياء الشعبية"، كما يرونه خاليا من المعنى والمضمون، ضعيف التركيبة والتكوين، بسيط العلاقات الفنية والجمالية، لا يحتوي على قيم إبداعية.

وفي تصوري أن معظم ذلك غير صحيح لكن ينطوي على وجهة نظر تستحق المناقشة، فعلينا أن لا ننكر أن الفنان الشعبي صنع أعماله في فلسفات جمالية عاشت قرون عديدة، وأثرت في أجيال كثيرة وشعرت بجمالياتها مجتمعات كثيرة، وأنه عمل تكوينات ورسم أشكال واستخدام ألوان انطلقت من فكر وفلسفة مجتمعه، لكن في الوقت الحالي اضمحل الفنان التشكيلي الشعبي وتوقف إنتاجه عن التطور وبسبب العولمة لا نراه يقيم معارض فنية ولا يمثل المملكة في الخارج.

كما أن الفنان الشعبي قام بنقل تراثه دون تنقية وتطوير وتجديد، ولا يضمّن أعماله الفنية روحه وشخصيته وسمات عصره الحالية. فبرغم دعم الدولة –رعاها الله- للتراث الشعبي بشتى الوسائل ودعم المتاحف وإقامة أكبر مهرجان في الوطن العربي (الجنادرية)، فلا زال الفنانون ( النجارون، الحدادون، الخزافون، الخياطون...إلخ) يصنعون أعمالهم بنفس الطريقة التي كان يصنعها آباؤهم وأجدادهم وبنفس الآلات وطرق التصنيع وخطوات الإنتاج وبنفس الأخطاء والرداءة والعيوب الصناعية إن وجدت دون الاستفادة من التقنيات الحديثة وعمل الدراسات والأبحاث والاستفادة من تطور حركة الفن العالمي وثورة المعلومات والاتصالات، مع وجود ضرورة ملحّة لتطوير فنونهم وتقليل الكلفة وزيادة جمال التصميم، بهدف إضافة مزايا نسبية تنافسية على أعمالهم لترفع القيمة وتوسيع الأبعاد الفنية والجمالية والإبداعية، وتضمن لهم مقومات الصمود في وجه عاصفة العولمة وما تحمله من نوايا خفية ومشاريع توسعية، ناهيك عن تهديدها بالإقصاء والذوبان.

في النهاية آمل ان تعقد الدولة مؤتمراً خاصاً للنهوض بالفن الشعبي وتطويره بطرق علمية وتقديمه بشكل عصري يشترك الخبراء والأكاديميون والفنانون والغرف التجارية، وللقطاع الخاص في المملكة أمثلة جيدة في النجاح مثل قطاع تصنيع الذهب والمجوهرات والمشغولات المعدنية للأبواب وقطاع النسيج التي نهضت بشدة في العقدين الماضيين وتحمل مقومات المنافسة والقدرة على تجاوز التحديات في المستقبل، وننتظر قطاع الخزف والزجاج والبلاستيك والملابس وبقية مجالات الفنون الأخرى، لأن الفرصة الآن مواتية جداً مع ولادة مشروع التحوّل الوطني وخطة 2030 للاستراتيجية التي تركّز على الاستثمار وتخفيض الواردات وزيادة الصادرات ورفع الميزة التنافسية للمنتجات الوطنية ورفع مؤشرات اقتصاد المملكة المعرفي.

  • فنان وناقد تشكيلي

image 0

الفنان الشعبي صنع فلسفات جمالية لقرون عديدة، بعدسة: كمعان الكمعان

image 0

عصام عسيري*