يمسني الحديث عن التربية الخاصة بشكل شخصي لأنني بدأت مسيرتي المهنية كمعلمة صعوبات ثم انتقلت إلى مجال الاستشارات ثم تقنية التعليم والتعلم. اليوم، وبعد جهد جهيد أدير شركة تعليمية متخصصة في مجالات مختلفة قمت بتأسيسها مع شركاء ذوي خبرة وفريق عمل رائع. لكن الانتقال من التدريس والفصل إلى الاستشارات والإدارة وريادة الأعمال لم يكن سهلا حيث إنني بنيت مهارات عديدة عبر السنوات والممارسة والخبرة و»البكاء» من الإحباط أحيانا كثيرة. أعتبر نفسي فعلا معلمة صعوبات اصبحت رائدة أعمال كما ذكر وزير التعليم عندما كان يشجع المعلمين على الريادة وأتفهم جيدا رؤيته وطموحه الطويل المدى للمعلمين.

لكن... الواقع يقول إنه يفترض أن لا يكون هناك عاطل في قطاع التربية الخاصة. الأرقام والبيانات والحاجة الاجتماعية تؤكد أن الطلب يفوق العرض بأضعاف. فإذا نظرنا إلى التوحد مثلا نجد أنه هناك ما يقارب 1500 طفل توحدي سعودي يتلقون خدمات الدراسة والتأهيل في الأردن. وتشير الدراسات إلى أنه هناك ما يقارب 28 ألف حالة توحد تتراوح أعمارهم بين 1-19 سنة. وأن أكثر من 62% من أولياء أمور الأطفال التوحديين لا يجدون الخدمات التعليمية المناسبة لأبنائهم. أما إذا أخذنا صعوبات التعلم والتي تعد من الإعاقات الخفيفة أو ما يسمى اليوم «باختلاف التعلم» فنجد أنه هناك ما يقارب نصف مليون طالب في المملكة يعانون صعوبة في التعلم وتقدم الوزارة خدمات خاصة وفصولا خاصة لـ 38 ألف طالب فقط- -علما بأن هذه الأرقام تمثل من تم تشخيصهم وهناك الكثير ممن لا يشخصون بشكل صحيح فيضيعون بين طيات النظام التعليمي ويلقبون بالبلداء أو الكسالى أو ضعاف الفهم.

قبل أن أطرح بعض الحلول لهذه القضية القديمة والتي تجاوزت عامها الرابع؛ نود التأكيد على أن توظيف معلمي التربية الخاصة ليست من مسؤوليات وزارة التعليم وحدها؛ إلا أنه يتضح لنا وبشدة عاما بعد عام أن المواطن وبالأخص «المعلم» ما يزال يعتقد أن «الوظيفة «هي مسؤولية الدولة وأنها تتحمل على عاتقها واجب توظيف الخريجين حيث نسمع ونرى من يبحث عن أشخاص لإلقاء المسؤولية عليهم «من هو المسؤول عن بطالة معلمي التربية الخاصة؟» وكأن قضية البطالة قضية أشخاص عوضا عن كونها قضية مؤسسات وسوق واقتصاد وكفاءات وشفافية في العرض والطلب.

حقيقة في الأربع سنوات الماضية لم نلمس أي حلول واقعية وجذرية لهذه القضية سواء كانت طويلة أو قصيرة المدى. فقطاع التربية الخاصة الآن من أولويات برنامج التحول الوطني للتعليم إلا أن تفاصيل تنمية هذا القطاع لا تزال غير واضحة ومن هنا فنحن نقترح التحرك بسرعة من خلال ثلاث مبادرات:

المبادرة الأولى تتعلق بالتشخيص المبكر والتشخيص على مستوى المدرسة. مشكلة التربية الخاصة غالبا ما تتفاقم إذا لم يتم التشخيص بشكل صحيح بل وتتزايد التكاليف على الدولة بسبب ضعف التشخيص المبكر. فمع بداية كل عام نجد أن الوزارة تطلب من قادة المدارس حصر الحالات الخاصة لرفع الطلب وتقديم الخدمات وبالتالي تحديد الاحتياج لمعلمي تربية خاصة. ومن هنا نجد أن المدارس وقيادتها ومعلميها غير مؤهلين لأداء عملية التشخيص وتحديد الطلب بشكل دقيق. ولذلك نقترح دراسة سياسة جديدة لتشخيص الطلاب في سنوات التعليم المبكر في المدارس عن طريق بطاريات اختبارات مقننة وبناء القدرات في هذا المجال.

بالنسبة للمبادرة الثانية نقترح تعميم وجود معلم تربية خاصة في كل مدرسة حكومية أو أهلية أو عالمية كشرط أساسي؛ لأنه لا يمكن أن تخلو مدرسة من طالب صعوبات. فكل مدرسة في المملكة يجب أن يكون فيها معلم تربية خاصة وغرفة مصادر لدعم الأطفال ذوو الإحتياجات التعليمية المختلفة. وبالتالي نخلق الطلب على وظائف التربية الخاصة ونساعد قادة المدارس ومعلمي الفصول في التشخيص بشكل أدق. ويمكن الاستعانة بمعلم التربية الخاصة في المدرسة لتدريب المعلمين وتوعيتهم بصعوبات التعلم وتمييز الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة وخدمتهم في الفصل كمعلم مساعد. كما أن إتاحة الممارسة العملية لخريجي التربية الخاصة تزيد من خبرتهم العملية وتأهيلهم وذلك نظرا لضعف بعض برامج تدريبهم في الجامعة.

المبادرة الثالثة تتعلق بفتح مجال الاستثمارللقطاع الخاص في مدارس التربية الخاصة وجلب الاستثمار الأجنبي والمدارس العالمية المتميزة في هذا المجال. ويكون ذلك عن طريق تسهيل حصولهم على تراخيص لتشغيل مدارس التربية الخاصة حيث إن الأنظمة الحالية غير واضحة كونها محدودة على بعض الإعاقات وموزعة بين وزارتي التعليم والعمل والخدمة الإجتماعية مما يقلل المرونة والخيار لأولياء الأمور. مثالا على ذلك؛ لا يوجد تصريح لمدرسة خاصة لصعوبات التعلم حيث إنها تعتبر من الإعاقات الخفيفة إلا أن هذا الخيار غالبا ما يكون متاحا في الدول التي تتميز بخدمة جيدة لذوي الاحتياجيات الخاصة. فلماذا نحرم أولياء الأمور من هذا الخيار ونضطرهم لتسجيل أبنائهم في مدارس عادية لا تقدم خدمات الفصول الخاصة وغرف المصادر؟

تشير إحصاءتنا إلى أنه من بين 1122 مدرسة خاصة هناك 64 مدرسة فقط تقدم خدمات للاحتياجات الخاصة – فصول او معلمين- وهذا أقل من 6% من المدارس الخاصة.

الدولة مشكورة، تقدم بعض الدعم المالي لمراكز التأهيل من خلال القروض وتتحمل تكاليف تأهيل ذوي الإعاقة في المراكز الخاصة إلا أن شروط الحصول على الدعم صعبة جدا. والدولة تضع حدا أعلى للدعم المقدم مما يحد من جودة الخدمات المقدمة في القطاع الخاص. علما بأن مدارس ومراكز التربية الخاصة المتميزة عالميا تتراوح رسومها بين 30 و50 ألف دولار سنويا للطفل الواحد وذلك لتخصص المعلين الدقيق وتكلفة التكنلوجيا ومصادر التعلم.

حتى لا يكون هناك بطالة في قطاع التربية الخاصة نحتاج إلى: التشخيص الدقيق أولا؛ معلم تربية خاصة في كل مدرسة في المملكة وفتح مجال التعاون مع القطاع الخاص في الاستثمار في مدارس التربية الخاصة بأنواعها. يجب أن لا نقبل أن يكون هناك آلاف من الأطفال المحتاجين للخدمات الخاصة في الدولة وآلاف المعلمين العاطلين عن العمل!

image 0

د. منيرة جمجوم