ليس افتئاتاً على الحقيقة حين يوصم أهل الثقافة والكتابة بأنهم مصابون بداء العظمة والنرجسية وإقامتهم في أبراج عاجية بعيداً عن هموم الانسان البسيطة. لقد تخلّوا – إلا ما ندر – عن أدوارهم الثقافية الكبيرة وباتوا يدورون حول ذواتهم يمجدونها حتى استسمنت وهي ذوات ورم...!. ومن هنا كانت خيبتنا من تهاوي تلك الأسماء التي كنا نعوّل عليها في إضاءة المشهد برؤى نيّرة ساطعة لا يغبّشها أو يُعتِمها تضخّم أنا أو ادّعاء زائف.

كثير من الكُتّاب العرب تورّطو في هذه النرجسية وفقدوا مصداقيّتهم في أعيننا حين أفرطوا في تمجيد ذواتهم بل إنهم باتوا يمارسون دوراً مناهضاً لحقيقة أدوارهم كأصحاب رؤى وأفكار يفترض أنها تتماهى مع العدالة، عدالة المثقف المستقل الذي لا تحرّكه أحقاد أو أهواء وضغائن صغيرة لا تليق بمثقّف. ولعل الدكتور يوسف زيدان أنموذج واضح لهذا التعالي والمنطق الازدرائي الذي بات يمارس منذ زمن ليس معنا كدول الخليج، بل إنه طاول حتى مواطنيه ودولته بمؤسساتها التعليمية خصوصاً التعليم الجامعي، ناسفاً بذلك كل العقول المصرية الكبيرة التي قامت بتأليف تلك المناهج على اختلاف فروعها.

إنّه الغرور الذي يُعشي الرؤية والفكر ولذلك فلا غرو أن تستمر مغالطاته التاريخية والفكرية تجاه دولنا، وآخرها هذا الرأي الذي لا يمكن وصفه بأقل من أنه رأي زائف وجاهل لا يتّسق وعدالة المثقف والمفكّر والمؤرّخ حين ألغى بصفاقة وجرأة تاريخ هذه المنطقة وتحديداً " الحتّة الوسطانيّة" كما يصف بلهجة متعالية لا تليق بعالم ومثقف ينتظر منه الإنصاف والتجرد من نزعات النفس وأهوائها المريضة. حين يلغي تماماً تاريخ أمّة وحضارة عمّ اشعاعها على العالم فهذا منطق بائس ومخجل لا يجدر أن يصدر من كاتب عادي فما بالنا والرأي صادر عن قامة علمية قضت جلّ حياتها بين الوثائق التاريخية والقراءة الفكرية والفلسفية المختلفة؟ إنه تضخّم الأنا ومرض النفس ونوازعها الأرضية حين تستكثر، وتستنكر على غيرها المكانة والعلوّ والتأثير.

كنا نتمنى من يوسف زيدان- وهو الكاتب المثقف- أن يكون أكثر تواضعاً وأقل طوباوية أو نرجسية في تعامله مع ذاته ومهامه بعيداً عن المنطق التسلّطي والبربري الغابي وعقلية المافيا الثقافية كما تجلّى وهو يغرق في وهمه ونرجسيته.

قليل من الرُّشد والنزاهة والتجرّد من الضغائن سوف تجعل زيدان يقرّ ويعترف بعظمة "الحتّة الوسطانية" وأثر تاريخها وما قدمته للغة والعلم والحضارة، مطلوب منه- وهو يواجه هذا الغضب الخليجي جراء مغالطاته غير المنطقية- أن يراجع معلوماته ويعتذر حتى لا يكون هذا الصلف والكِبر والغرور ورقة التوت التي تجهز على ما تبقى له في ذواكرنا من تقدير واحترام. ليت يوسف زيدان يتذكّر أن تاريخ وحضارات الأمم يتلاقح ويرفد بعضه بعضاً ولا تتعارض آثارها مع بعضها البعض، ولعل هذا هو سبب الاحتفاء بآداب الأمم وحضاراتها الإنسانية بين بعضها البعض أياً كانت منابتها ولغاتها وخصوصياتها الثقافية نتعامل معها من موقع احتفاء وتفاعل، ونحن في "الحتة الوسطانية" أحد هذه الروافد الثقافية والإنسانية في كوننا الفسيح.