تظل مسألة الفكر العربي أو العقل العربي أو الإسلامي مثار جدل وبحث عميقين ودائبين من قبل المفكرين الذين يسعون من خلال الحفر الأركولوجي والتنقيب في غور التاريخ والفكر الإنساني واستصحاب ظرفه الزماني والمكاني وطبقاته بحثاً عن أسباب إخفاقه وفشله، تظل مسألة شائكة ومعلّقة في الفراغ.

حين أصدر الكاتب شوقي جلال كتابه الفكري المهم " سوسيولوجيا الفشل "، رأى الأغلبية من المثقفين العرب أنّ عنوان الكتاب شديد التشاؤم ذلك أنهم – وفق ما يرون- ينعمون بعصر رغد وانجازات ونجاحات مختلفة ما يعني أن هذا التشاؤم لا يتّسق وظرفهم الآني. لكن الدكتور جلال يذهب عكس ما يرون، إذ يقرّر أن عنوان كتابه المومئ إليه آنفاً، عنوان متفائل معللاً ذلك بأن الفشل يحدث لأسباب اجتماعية يقرّها علم الاجتماع، وتدخل بالتالي في نطاق إرادة وفعل وثقافة الإنسان؛ وليس قدراً ولا طبيعة جبلّية.. ومن ثم فإن المجتمع قادر- بإرادته وفعله وفكره ومنهجه في الفعل والفكر على أن يصحّح الخطأ ويزيل الأسباب إذا عرف نفسه كوجود تاريخي، وعرف عصره ومقتضياته وتحدّياته. ولأن الكاتب شوقي جلال مهجوس بهذا الهم " الفشل" فقد استغل عبر مقدمة كتاب " الثقافات وقيم التقدّم" لمؤلفه لورانس إهاريزون والذي قام بترجمته إلى العربية، استغل الفرصة لتوضيح رؤيته لمعنى الفشل، فهو يعني بالفشل أن المجتمع عاطل عن المعرفة الكاملة والصحيحة نسبياً ومرحلياً لتوجيه مسارات حركته وطاقاته وأنشطته الاجتماعية بصورة فعالة في الاتجاه الصحيح للتطوير، أي التكيف مع حضارة العصر بهدف البقاء والعطاء والامتداد والمنافسة.

الكتابان لا شك أنهما ثريّان يحتاجان وقفة أعمق وأطول لكن نشير إلى ومضة فكرية ساطعة لفت لها المترجم، وهي أن الفعل والفكر الاجتماعيان هما المشروع الوجودي الجمعي وفكر الأمّة ليس حاصل تراكم فكر أفراد.

والخلاصة أن المجتمع حين يتعطّل فكره فسيعيش وعياً زائفاً وثقافة مغتربة، سيما وأننا على أعتاب تحولات عميقة وخطيرة تجاوزت الحضارة المجتمعية إلى حضارة صناعية واقتصادية وعلمية تحتاج انسانا جديدا، وعقلا جديدا يستطيع السير وتحديد مصيره.