كانت المنظمات الحقوقية وتلك التي تعنى بشؤون الإسلام والمسلمين في فرنسا تتخوف كثيرا بعد اعتداء نيس في الرابع عشر من شهر يوليو الماضي وذلك الذي طال بعده كاهنا في كنيسة كاثوليكية في قرية "سانت إيتيان دو روفري" أن تحتد ظاهرة الاعتداءات ضد الإسلام والمسلمين على غرار ما حصل بعيد الاعتداءات الإرهابية التي ارتكبت في باريس في شهر يناير عام 2015. وكان مجلس الديانة الإسلامية الفرنسي قد حذر عبر المرصد الذي أنشأه لإحصاء الحوادث والاعتداءات والجنح والجرائم التي ترتكب في إطار معاداة الإسلامية من مغبة تناميها بعد أن كرر تنظيم "داعش" أكثر من مرة أن فرنسا بلد من البلدان التي ينبغي ضربها لأنها تتصدى له بقوة في عدة أماكن ينشط فيها هذا التنظيم ومنها أساسا منطقة الساحل الإفريقي وسوريا والعراق.

بل إن مجلس الديانة الإسلامية الفرنسي كان قد ذكر في أحد تقاريره حول ظاهرة معادة الإسلام أن الاعتداءات والجنح والجرائم المرتكبة في هذا الإطار ارتفعت طوال الأشهر الستة من عام2015 بنسبة 281 في المائة عما كانت عليه خلال الفترة ذاتها من عام 2014.

ولكن التقرير الأخير الصادر عن جمعية معاداة السامية في فرنسا وتصريحات مسؤوليها والأحداث الميدانية والطريقة التي تعامل من خلالها المواطنون والسياسيون الفرنسيون مع الاعتداءين الإرهابيين الأخيرين في فرنسا واللذين تبناهما تنظيم "داعش" تخلص إلى ملاحظات يمكن تلخيصها على النحو التالي: إذا كان عدد من مساجد فرنسا قد تعرض لاعتداءات لاسيما بعد الهجوم على كنيسة قرية "سانت إيتيان دو روفري"، فإن الفرنسيين عموما والمسيحيين بشكل خاص تعاطوا مع الاعتداءين الأخيرين بكثير من الهدود والنضج على عكس ما هي عليه الحال لدى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وبعض السياسيين الذين كان ينتظر منهم أن يتعاملوا بهدوء وحذر مع الموضوع.

حرائق وبارود ولحم خنزير

وحول الاعتداءات التي ارتكبت ضد مساجد بعد الهجوم على الكنيسة الكاثوليكية وذبح كاهنها، لوحظ أنها لم تختلف عموما في أشكالها عن تلك التي كانت ترتكب من قبل والتي يستخدم القائمون فيها طرقا لتخويف المسلمين أو لاستفزازهم، وفي هذا السياق، حصلت مثلا اعتداءات على أربعة مساجد خلال الساعات الأربع والعشرين التي تلت يوم السادس والعشرين من شهر يوليو الماضي أي يوم مقتل الكاهن الفرنسي جاك هاميل على يد شابين كانا في التاسعة عشرة من العمر في كنسية كاثوليكية ببلدة " سانت إيتيان دوروفري".

فقد علقت على باب مسجد ضاحية "ترومبلين" الواقعة قرب مدينة نانسي الفرنسية رأس خنزير، وتم القبض على مرتكب عملية التدنيس هذه وحكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر مع وقف التنفيذ، وعثر في صندوق بريد المسجد ذاته بعد أيام على ظرف مملوء بالبارود. كما علقت رأس خنزير على باب أحد مساجد منطقة "نوربادوكاليه" الواقعة في شمال فرنسا، وتعرض مبنى مسجد يقام منذ ثلاث سنوات في ضاحية "موريه" الواقعة قرب مدينة تولوز الفرنسية إلى حريق أتى على أبواب وعدد من أثاث المسجد. وفي ضاحية "بانيوليه" الباريسية، كتبت على جدران مسجد شتائم ضد المسلمين ورسم صليب معقوف، وارتفعت وتيرة الشتائم ضد المسلمين بعد اعتدائي نيس وكنسية "سانت إيتيان" القريبة من مدينة روين. بل إن عسكريا سابقا اعتدى بالضرب على مهاجر سنغالي لأن لباسه كان يوحي بأنه مسلم مما دعا لنقل المعتدى عليه إلى المستشفى وطالب محامي السنغالي بأن يكون الحكم الذي سيصدر في شهر أكتوبر المقبل على المعتدي قاسيا لأن الاعتداء ارتكب أيضا لأغراض لديها علاقة بـ"عدم التسامح والعنصرية ومعاداة الإسلام".

وبرغم ذلك، فإنه لوحظ أن في تعامل المواطنين الفرنسيين بشكل عام وأتباع الكنيسة الكاثوليكية بشكل خاص كثيرا من النضج والتعقل في التعامل مع اعتداءي نيس و"سانت إيتيان دور روفري"، ويعزو الباحثون في علم الاجتماع هذا الموقف إلى عدة عوامل منها أن الفرنسيين أصبحوا مقتنعين اليوم أن ظاهرة الإرهاب التي يأتيها تنظيم " داعش" تطال العالم كله وأن المسلمين أنفسهم في مقدمة ضحايا هذه الاعتداءات الإرهابية، بل إنهم لاحظوا أن أكثر من ثلث ضحايا اعتداء نيس من المسلمين. وتضاف إلى هذا العامل عوامل أخرى منها موقف البابا فرنسيس رئيس الكنسية الكاثوليكية، فقد كرر أكثر من مرة في الأيام الأخيرة أن ظاهرة الاعتداءات ترتكب باسم الدين الإسلامي لا ينبغي أن تكون منطلقا للحكم مسبقا على الإسلام والمسلمين وأن الظاهرة ذاتها موجودة في الديانات السماوية الأخرى ومنها الديانة المسيحية.

ترويض بعض السياسيين

وما يقلق المنظمات الحقوقية وتلك التي تعنى بشؤون الإسلام والمسلمين في فرنسا بعض التصريحات الصادرة عن بعض الشخصيات السياسية التي يفترض أن تدعو للهدوء وضبط النفس وأن تدرك أنه من السهل جدا توظيف هذه التصريحات بهدف الشحن الديني وتأليب الناس على بعضهم البعض وإضعاف الوحدة الوطنية.

ومن هذه التصريحات واحد أدلى به رئيس الوزراء مانويل فالس في نهاية شهر يوليو الماضي وقال فيه إنه "سيكون من الصعب أكثر فأكثر على " مؤسسات الجمهورية الفرنسية " "ضمان حرية العبادة" إذا لم يساعد مسلمو فرنسا الدولة في ترصد مرتكبي الاعتداءات التي ترتكب في البلاد باسم الدين الإسلامي. وقد أعرب مسؤولو المؤسسات التي تعنى بشؤون المسلمين الدينية في فرنسا عن أسفهم لصدور تصريح مماثل يضع مسلمي البلاد في منزلة المسؤول عن حماية المواطنين والتي هي من صلاحيات الدولة الفرنسية.

في الإطار ذاته، أحتج مسلمو مدينة «لونجيمو" الواقعة جنوب باريس على تصريحات أدلت بها رئيسة بلديتها السابقة السيدة ناتالي كوسيسكو مورزيه حول أحد المساجد هذه المدينة في حديث خصت به يوم 5 أغسطس الجاري إذاعة فرنسية . وقد رد إسماعيل منير رئيس المركز الاجتماعي الثقافي الإسلامي في هذه المدينة على تصريحات رئيسة البلدية السابقة التي هي اليوم قيادية في حزب "الجمهوريين" بزعامة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، فقال في رسالة مطولة إن ما ورد على لسان رئيسة البلدية السابقة فيه تحريف للحقيقة. وهو مثلا حال تصريح قالت فيه إنها كانت تريد إغلاق مسجد المدينة بسبب تساهله مع الفكر المتطرف. وذكر إسماعيل منير في رده أن لديه وثائق تثبت عكس ما تقول رئيسة البلدية السابقة التي قال إنها تعاونت مع الجمعية حتى يكون لمسلمي المدينة مسجد.

وهناك اليوم طرح يلح عليه كثيرا الباحثون في علم الاجتماع من الذين يهتمون بشؤون الإسلام والمسلمين في الفترة الدقيقة التي تمر بها فرنسا وألمانيا وبلجيكا على خلفية الاعتداءات الإرهابية ويمكن تلخيصه على الشكل التالي: على مسلمي هذه البلدان تجاوز وضعية الذي يكتفي بترديد مقولة يعرفها الجميع وهي أن الفئة التي ترتكب الاعتداءات الإرهابية لا تمثل الإسلام والمسلمين. وعلى الأحزاب السياسية التي لا تنتمي إلى اليمين المتطرف ألا تنساق وراء أطروحات هذا التيار بشأن الإسلام والمسلمين لأغراض انتخابية.

image 0

إحدى المسيرات المشتركة التي نظمت بين المسلمين والمسيحيين في فرنسا