كان في الزمن الماضي، في السبعينيات والثمانين وألف ثلاثمائة للهجرة، لا يوجد وسائل نقل شخصية، يتنقل بها صاحبها لأي مكانٍ يريد الذهاب إليه، مثل وقتنا الحاضر، حيث يمتلك كل فردٍ سيارة خاصة به، يذهب بها حيثما شاء، نحمد الله ونشكره على أن منّ علينا بذلك، فتجد الشخص يذهب للسوق لقضى حاجاته على أقدامه راجلاً، ويعود راجلاً، إلا إذا أراد أن يحضر معه بعض المقاضي الثقيلة، فإنه حينذلك يستأجر صاحب تاكسي أو صاحب حمار، يحمل له ما يشتريه من السوق من البضائع.

وكان هناك طرق للمشاة، تسمى الجواد، واحدتها الجادة، تأتي من الأماكن المأهولة بالسكان، مثل الحارات البعيدة عن السوق، أو الثكنات العسكرية، أو نحو ذلك، وبما أن الشاعر يرسم الأشياء التي يلاحظها بصورةٍ شعرية، لا تقل إيضاحاً عما يرسمه الرسام، بأدوات رسمه، التي يستخدم بها الألوان التي تحاكي ما يرسمه من تجسيدٍ صورةٍ معينة، فقد رسم لنا الشاعر محمد حمود الجويدي العلوي الحربي، صور توثيقية، تسجد ذلك الحال العهدي، الذي يحاكي أحوال أهل ذلك العهد، بما فيه من صورٍ بيئة أو جغرافية، تشير أحوال مادية ومعيشية مختلفة إلى أحوال أهل هذا الزمن، ففي أحد الأيام عند ما كان الشاعر محمد الجويدي يعمل عسكري في فوج التوم، وكان ذاهباً للسوق أو قادماً منه، لاحظ جواد زملائه تأخذ مساحات من الأرض لها حيزٌ واضح، على شكل خطوط متوازية، أو متشعبة، يتجه كلٌ منها إلى مكانٍ معين، عند ذلك قال قصيدة منها قوله:

هاذي طواريق فوج التوم

اللي يتقضون رجـــــــليه

أي: هذه طرق أفراد فوج التوم، الذين يذهبون لقضاء حاجاتهم من السوق، على أرجلهم، لأن السير على الأقدام، هو الذي صنع هذه الطرق.

هذا التوثيق الشعري، لا يعبر عن حالة معينة، وإنما يعبر عن أحوال الناس بشتى مساعي الحياة المتعددة، فهناك الإبل مثلاً لها جواد، تستخدمها في ذهاب إلى المرعى، وعودتها إلى موارد المياه، وقد عفى الزمن على هذه المعالم المؤقته، التي اندثرت بمجرد التوقف عن استخدامها، بعد ما كانت طرقاً سهلةً، خاليةً من الشوك والحجر، ودليلا على مواقع المياه، والأسواق، وغير ذلك.

image 0

نافل علي الحربي