إذا قرأتُ زاوية (بعد النسيان) للكاتب الساخر محمد السحيمي، وأخذت أتنقل بين عباراته الساخرة، ومصطلحاته ومسمياته التي يعسفها كما يشاء ليصل إلى المعنى الذي يهدف إلى إبرازه وبسطه أمام المتلقين ليشاركوه فيما ذهب إليه، سواء اختلفوا معه أو اتفقوا، فهو يكتب وصورة الابتسامة أمامه، والحالة التي هو في دائرتها وهو يقتنص الكلمات فإنني لا أستطيع أن أحدد مقياسا لحجم الابتسامة وقت الكتابة.

لدى السحيمي جرأة، وما يتناول الموضوع إلا وهو يدرك مدى التأثير الذي سيكون له ولو بمقدار ما يحدس.

أقرأ جريدة مكة بالمقلوب لأبدأ بالسحيمي، وهذا ليس تقليلا من الصفحة الأولى وجميع الصفحات، ولكنها طريقة قرائية يشاركني فيها الكثيرون، ومعظم الجرائد تتعمد أن تتفنن في اختيار كاتبي زوايا الصفحات الأخيرة.

محمد السحيمي أعادني إلى أيام زمان (يعنى القرن الماضي) حينما كان الميدان للصحافة الورقية فقط، حيث الكتّاب تتخاطفهم الصحف، وكل صحيفة تود أن تكون الأولى، وهذا مازال، وتعمل كل جريدة على تحقيق الأسبقية، غير أن دخول وسائل التواصل، والصحف الإلكترونية خلقتا منافسة صار من شأنها التعاون بينهما قسراً، فمعلق على تغريدة في زاوية الجريدة، ومناقش ومناقر في صحيفة الكترونية يناور مثيلا في الورقية، وحتى المواقع، والتويتر يتدخلان، ما جعل للكتابة، استذواقات مختلفات.

الذي كان (أبو حياة والناس) مقالة رئيسية كل أسبوع في باب (يوميات) في جريدة المدينة، وكان بريد (أمين سالم رويحي) وهو مقياس يشابه التعليقات على المقالات في الزوايا اليومية في الصحف الآن، ومَنْ أكثر تعليقاً؟، فكان الرويحي اكثر من يتلقى التعليقات التي كان يرصدها في نهاية مقالته تحت فقرة (بريدي)، والرويحي في معظم مقالاته يركز على موضوعات اجتماعية هادفة بأسلوب ساخر شَدّ القراء إليه وكانت الرسائل تترى، وتعقبها إجابات ذكية حادة ساخرة تدفع بالمتعامل معه لأن يعيد الكتابة إليه مرّات ومرّات، فيكون تبادل الآراء التي تطرح ببساطة سواء اجتماعية وهي الأكثر، وبعض قضايا الإصلاح، وكذلك المشكلات الاجتماعية مثلاً بين الحماة والزوجة، أو الجد والأحفاد، والقيم السائدة وكيفية التعامل معها في مواجهة التيار الجارف الدافع إلى الأمام تبعا لمتطلبات الزمن والحياة، فأبو حياة يناقش ويوجه ويطرح الحلول، وهو في طريقته عندما ينتهي من مناقشة موضوعه الذي كتب أصلا من أجل أن يكون هو محل العناية لكي يصل الى الهدف الذي يريد منه حسب تقبل القراء، فإذا أشبع الموضوع تَلَمَّسَ طرفة أو حكاية يسلّي بها المتابعين وبغية الجذب، وبأسلوب المداعبة الذي يتمتع به، كان مرة يناقش موضوع غلاء المهور ووجه ونصح ورسم الطرق التي يرى أنها مناسبة لحل مثل هذا الموضوع، ثم حكى قصة، أنه كان مسافراً بين بلدين أوروبيين وكانت تجلس على الكرسي المجاور له في الطائرة امرأة يبدو أنها ثرية، وأخذ يتبادل الحديث معها إلى أن عرف اسمها، ( صوفيا لورين)، وشحذ ذاكرته مردداً صوفيا لورين، وتذكر أنها الممثلة الشهيرة ذائعة الصيت، فأخذ يحدثها عن بلده وعن الفن بأشكاله، المهم تبادل الحديث مسافة السفر، وعندما حطت الطائرة ونزلت الممثلة بجانبي سمعتهم يتحدثون (صوفيا لورين وصديقها) وصلا جهزوا السيارة، وهات يا لقطات وعدسات لاتعد ولا تحصى وما أن وضعت قدمي على آخر درجة في سلم الطائرة إلا وإذا بي أسمع صوتا يناديني هاتفا : أمين .. قم الفطور جاهز، وذهب الحلم و" تعيشوا وتاكلوا غيرها".

أمين سالم رويحي أول من كتب ونشر مجموعات القصة القصيرة في بلادنا (الحنينة )، و(الأذن تعشق ) هكذا يقول الواقع.

لن نعدم كتاّبا ساخرين ولكن المسألة تعود إلى طريقة الطرح والتلقي، وأن تقبل المواضيع بصفاء، وأن يتجنب الكاتب السخرية الناقمة، ويتوجه إلى السخرية للترويح والترفيه لمن امتحنهم الزمن بحمل زوادة القراءة.