إن الالتهابات البولية تعتبر من الالتهابات الاكثر شيوعاً عند المسنين رجالاً ونساءً الذين تجاوزوا 60 سنة من العمر، ولكنها تختلف في عدة مزاياها عن التي تحصل عند الاطفال واليافعين والشباب مما قد يجعلها صعبة في التشخيص والمعالجة خصوصاً اذا ما كان المريض مصاباً باضطرابات عقلية تحد من قدرته على التعبير عن اعراضه البولية والسريرية التي تشير الى وجودها لا سيما ان تلك الأعراض قد تختلف عن المعايير المعروفة في تلك الحالات من حيث غياب التبول المؤلم والتكرر والالحاح البولي والبيلة الدموية وآلام الخاصرة او اسفل البطن وغيرها فضلاً عن ان اكتشاف بيلة جرثومية في تحليل البول او جراثيم عديدة في مزرعته قد لا تعني بالتأكيد اصابة المريض بالالتهاب البولي وقد لا يستوجب المعالجة بالمضادات الحيوية. فإن تلك الظاهرة التي يجهلها العديد من الاطباء تشكل تحدياً لهم وتستدعي اليقظة من قبل أهل المريض او المريضة والطقم الطبي للتنبه الى المؤشرات السريرية التي قد تشير الى حدوث الالتهاب حتى في غياب الأعراض الطبية الكلاسيكية او تغير لون البول الى مظهر قاتم مع بروز رائحة كريهة فيه او حتى حصول سلس بولي مفاجئ التي قد تترابط عادة بالالتهاب.

الجدير بالذكر ان معظم الالتهابات البولية عند المسنين تكون عادة معقدة أي انها تترافق مع تخاذل تشريحي او وظيفي للجهاز البولي او نتيجة امراض عصبية كالفلج والخرف التي قد تسبب السلس البولي فضلاً عن ان آليتها المرضية عند النساء تقوم على غزو الجراثيم الاحليل من المهبل او مدخله وتصيب المثانة وأحياناً الكلى بطريقة رجوعية نتيجة السلس البولي. او نزوحها من البراز الى المهبل ومنه الى الجهاز البولي. وأما عند الرجال فقد تعود إلى انسداد في الاحليل او في عنق المثانة نتيجة تضخم البروستاتا او اذا ما أصيبت المثانة باعتلال عصبي يحد من قدرتها على تفريغ البول كاملاً أثناء التبول. وقد اعتمد الاخصائيون في الماضي على البيلة الدموية والأعراض البولية لتشخيص معظم حالات الالتهاب البولي مع اثبات وجوده بتحليل البول المجهري واكتشاف بيلة جرثومية فيه وظهور اكثر من 100,000 جرثومة في مزرعته. ولكنه لا يمكن في معظم حالات الالتهابات البولية عند المسنين الاتكال على تلك المعايير بسبب اضطراباتهم العقلية فضلاً عن ان البيلة الدموية قد تعود أحياناً الى استعمال بعض العقاقير أو وجود آفات اخرى في الجهاز البولي كتضخم البروستاتا الحميد او انسداد الحالب او الأورام او الحصيات او التضيق بين حويضة الكلية والحالب والرتج والكيسات الكلوية أو وجود اجسام غريبة في الجهاز البولي كالقسطرة والاسنت او بسبب داء السكري او الفشل الكلوي او تشوهات خلقية في الكلية او نتيجة مثانة عصبية او جزر البول من المثانة الى الكلية التي قد تصيب المسنين وتسبب لهم البيلة الدموية الذي قد توحي خطأً بوجود التهاب بولي لديهم.

الجدير بالذكر ان معظم المسنين يعانون عادة من تناذر بيولوجي مرتبط بنقص في مدخرهم ومقاومتهم للضغوطات المرضية نتيجة تخاذل عدة اجهزة فيزيولوجية ومناعية لديهم الذي يعرضهم الى عدة أمراض منها الالتهابات البولية. ومن أبرز تلك الآفات التي تترافق مع الشيخوخة ضمور العضلات وضعفها وقلة الجَلَد وانخفاض النشاط الجسدي والعقلي وتخاذل الجهاز المناعي.

إن من المتفق عليه طبياً ان المثانة الطبيعية لا تحتوي على اية جراثيم ولكنه في بعض الحالات قد تنزح بعضها من الجهاز الهضمي او التناسلي وتمكث فيها مع او بدون تسبب الالتهاب البولي مما يجعل تشخيصه في غاية الصعوبة خصوصاً ان اهماله قد يسبب التهاباً شديداً في المثانة والكلية وحتى في الدم مع عواقبه الوخيمة ناهيك ان معالجته بالمضادات الحيوية غير الضرورية قد تؤدي الى حصول مقاومة الجراثيم لها مع عدم فعاليتها في المستقبل اذا ما احتاج المريض اليها مما يشدد اهمية التشخيص الدقيق والمعالجة الصحيحة في تلك الحالات. وقد اعتمد الاخصائيون عادة على وجود بيلة جرثومية او عدد مرتفع من الجراثيم في مزرعة البول في التشخيص، ولكن تلك المعايير لا تنطبق على المسنين عادة حيث إن تواجدها لا يعني بالطبع الاصابة بالالتهاب وقد تزول تلقائياً بدون اية معالجة في بعض الحالات.

وقد أوعزت الجمعية الأمريكية للأمراض الخمجية أو الالتهابية الى لجنة خاصة مؤلفة من ابرز الخبراء في الالتهابات البولية لوضع أسس ثابتة لتشخيصها ومعالجتها عند المسنين رجالاً ونساء، خصوصاً اذا ما أصيبوا باعتلال عقلي يحد من قدرتهم على التعبير عن أعراضهم البولية او السريرية. وبعد مراجعة الاختبارات العالمية وبناء على خبرتهم الشخصية قرر هؤلاء الخبراء ان وجود بيلة جرثومية أو بيلة قيحية في تلك الحالات قد لا يعني الالتهاب البولي ولا يستدعيان المعالجة إلا اذا ما ترابطا مع أعراض أخرى عقلية أو وعائية أو تنفسية أو الحمى وزيادة تركيز الكريات البيضاء في الدم، وقد اعترض بعض الاخصائيين على ادراج الحمى كعلامة للتشخيص لانها قد لا تترفع حتى بوجود التهاب حاد في البول لعدة أسباب أبرزها استعمال المريض الكورتيزون أو المعالجة الكيميائية التي تشمل المضادات الحيوية ومضادات الحمى والإدمان على الكحول وقصور الدرقية أو الغدة النخامية وسوء التغذية والفشل الكلوي. ولكن من الرغم من تلك التحفظات فإن الحمى تعتبر من المؤثرات الهامة لوجود التهاب بولي خصوصاً إذا ما ترافقت مع زيادة عدد الكريات البيضاء في الدم وظهور بيلية قيحية أو جرثومية في البول.

فاستناداً على ما سبق يمكننا طرح بعض المؤشرات السريرية التي توحي بوجود التهاب بولي عند المسنين يستدعي المعالجة بالمضادات الحيوية بعد إثباته بالتحليل والمزرعة البولية:

1 - الحمى أو ارتفاع درجة الحرارة إلى أكثر من 38 درجة مئوية.

2 - زيادة عدد الكريات البيضاء في الدم مع تكاثر الكريات الالتهابية.

3 - تغيير في الوظيفة العقلية الذي يشمل خلال اليوم كامل الخمول الفكري وفقدان الاستجابة للتنبيهات الروتينية كعدم الابتسامة أو الضحك أو المكالمة أو تردد الكلمات الموجهة إلى المريض وعدم تفاعله بالتصفيق وتحريك أيديه للموسيقى مثلاً أو إصابته بالوسن وفقدان الشهية أو الامتناع عن الأكل أو الشرب والهذيان والتغير المفاجئ في السلوك والفتور ونادراً الغيبوبة.

4 - انخفاض الحالة الوظيفية الذي يشمل عدم إمكانية المريض بالقيام بالنشاطات اليومية ونقص في الوزن والجمود الجسدي مع انعدام الحركة والضعف والوقوع.

5 - هبوط الضغط الدموي.

6 - الخفقان.

7 - تسرع التنفس.

8 - الخرخرة الرئوية.

9 - صعوبة في التنفس.

10 - الغثيان.

11 - التقيء.

12 - الإيلام في البطن.

وفي حال إثبات وجود الالتهاب البولي اعتماداً على تلك المؤشرات السريرية والتحاليل البولية يُعالج الالتهاب البولي حسب نوعه وحدته ودرجته بالمضادات الحيوية الفعالة ضد الجراثيم المزروعة ولمدة قد تتراوح ما بين 3 أيام إلى 6 أسابيع مع إجراء الأشعة فوق الصوتية على الكلى والمثانة لاستثناء آفات فيها ولتحديد كمية البول الثمالي الذي قد يستدعي المعالجة الطبية أو الجراحية لمساعدة المثانة على التفريغ الكامل. وبعد التأكد من نجاح العلاج بالمزرعة البولية التي تجرى بعد يومين أو ثلاثة من ابتداء العلاج وبناءً على تحسن الأعراض السريرية والحمى والتحاليل المخبرية، تعاد مزرعة البول بعد يومين من انتهاء المعالجة ويقرر الطبيب المعالج حول ضرورة استعمال علاج وقائي لتفادي رجعة الالتهاب البولي في المستقبل يرتكز على زيادة حموضة البول باستعمال عصير التوت البري الأحمر Cran berry يومياً بجرعة حوالي 300 ميليليتر والفيتامين ج وعقار منديلمامين أو مثيانمين أو المضادات الحيوية بجرعة مخفضة لمدة 6 أشهر أو أكثر والهلامة الهرمونية الأنثوية حول الصماخ البولي أي فوهته الخارجية في المهبل عند النساء مع التشدد على الإكثار في شرب السوائل واتباع شتى الوسائل للحد من السلس البولي. ومن المهم متابعة المريض أو المريضة دورياً والقيام بالفحص السريري والتحاليل المخبرية للتأكد من عدم إصابتهم بالالتهاب البولي المتعاود.

وبالخلاصة إن الالتهاب البولي شائع ومنتشر عالمياً ويشكل حوالي 25٪ من جميع الالتهابات التي تصيب المسنين من رجال ونساء بنسبة 50٪ للنساء وحوالي 30٪ للرجال مع رجعة تلك الالتهابات بمعدل 60٪ خصوصاً عند النساء في غضون 10 سنوات مع زيادة معدل الوفيات بنسبة من 28٪ إلى 38٪ إذا لم يشخص بدقة ويعالج بطريقة صحيحة. ويكون عادة تشخيصه في أقصى الصعوبة إذا ما حصل عند المسنين المصابين باضطرابات عقلية تحد من قدرتهم على التعبير عن الأعراض البولية أو السريرية المرتبطة عادة بهذا الالتهاب مما يشدد أهمية التقيد بالمؤشرات العقلية والهضمية والنفسية والحمى ونتائج التحاليل البولية والدموية والإشعاعية للتوصل إلِى تشخيصه واتباع معالجة فعالة له لا سيما أن وجود بيلة قيحية أو جرثومية لا يمكن الاعتماد عليها فقط لإثبات التشخيص والقيام بالعلاج لأنها قد تعود إلى استعمار الجراثيم داخل المثانة بدون أي التهاب. وقد تزول تلقائياً بدون أية معالجة. فكل ذلك يشدد على أهمية التيقظ من قبل الأهل والأطباء حول احتمال حصول التهاب بولي وإثباته قبل المباشرة في المعالجة التي إذا ما استعملت تخبريياً قد تضر المريض بدلاً من نفعه لأنها قد تسبب مقاومة الجراثيم للمضادات الحيوية مستقبلاً.