قبل سبع سنوات تعرّفت على الروائي " نيكولاس سباركس"، حينما التهمت روايته "ثلاثة أسابيع مع أخي" خلال يومين، ذلك أنها وبالإضافة إلى أسلوب سردها الرائع اجتمعت فيها عدة عوامل نجاح قلما تجتمع: أحداث حقيقية، ذكريات مؤلمة، غوصٌ عميق في النفس البشرية، وهكذا تعلقت بسنارة أدبه الواقعي.

"سباركس" مغرم بالرواية الرومانسية كما هو حال قطاعٍ واسع من الأدباء الأميركان الشباب، لكنه بزّهم جميعاً بكون أدبه يتدفق صادقاً من القلب إلى القلب، وهذا ما قاد عشراً من رواياته التسعة عشرة إلى الشاشة الكبيرة وزادها نجاحها رواجها السينمائي، لكن ما سر إبداع "سباركس"؟ والذي حينما تقرؤه تحس كما لو كان يتحدث إليك! هل هي اللغة السلسة؟ أم أنه يتحدث الحقيقة بكل بساطة؟ لقد كافح "سباركس" طويلاً حتى استطاع نشر روايته الأولى، لكنه كان دوماً محملاً بالكثير من الآلام، وفاة والدته الفجائية وحزن والده، سرطان اخته، ابنه التوحّدي، تلكم المصائب لم تقف أمام قدراته الإبداعية، بل أمست مصدر إلهام يتدفق لأعمال لامست قلوب القراء.

خلال مسيرته أصدر أربع روايات أبطالها الحقيقون أفرادٌ من عائلته، عانوا تلك المصائب وعاشها معهم ولهم، فرواية "رسالة في زجاجة" تتحدث عن الرجل الذي يوجه رسالة إلى زوجته الراحلة يضعها في زجاجة يقذفها في البحر، لم يكن ذلك الرجل سوى والده الذي فقد زوجته فجأة حينما سقطت عن جوادها. أما "نزهة للذكري" فهي رواية تحولت مؤخراً إلى فيلم سينمائي، تتحدث عن تلك الفتاة الخجولة التي لا تهتم لجمالها ولا يلاحظها الآخرون، لكن زميلها الفتى الوسيم والأشهر في المدرسة يقع في غرامها، ويتفاجأ من أن منتهى أملها هو الزواج في الكنيسة وتكوين عائلة، لكنها بعد اعترافه لها بحبه تصارحه أنها مصابة بسرطان الدم، وأنها تستعد للموت قريباً، فيهتم بها ويشاركها رحلة العلاج لتشفى ويتزوج منها، والحقيقة هنا أن تلك قصة هي اختصار مأساة اخته، التي كانت كما تلك الفتاة، بيد أنها تصاب بسرطان المخ، وتتزوج حبيبها خلال فترة كمون المرض وترزق بتوأم أطفال، لكنها تموت بعد ذلك!

أما رواية "الإنقاذ" فتتناول قصة الأم الشابة العائدة إلى بلدتها، لتصاب في حادث سير وتفقد ابنها في الغابة المحيطة، ولا تستطيع فرق الإنقاذ العثور على الطفل إلا بعد ساعات طويلة نظراً لأن لديه تأخرا في النطق، وغني عن القول أن تلك القصة ترمز لعلاقته مع ابنه التوحّدي. بعدها بسنوات أصدر روايته "ثلاثة أسابيع مع أخي" والمقصود أخوه مايكل، الذي رافقه في رحلة حقيقية حول العالم، وكانت فرصة للإفصاح عن مشاعره تجاه والديه وإخوته، وما مرت به العائلة من مآسي، لم تبقِ له سوى أخيه ذخراً وسنداً.

تلكم الآلام استطاع "سباركس" استثمارها على عكس كثيرٍ منا، بالتصالح معها أولاً، فالتشجع بالإفصاح عنها -وهي الوصفة المثالية لتجاوز أي مآسي أو مصائب-، ثم تحويلها إلى أدبٍ يلامس شغاف القلوب ويؤثر فيها؛ لتمنحه نجاحات أوسع وحياةً أسعد.