مازلت موقناً بأنّ الكاتب الجيّد هو الذي تبدأ متاعبك معه بمجرّد الفراغ من قراءته، وهي متاعب جميلة ومستثيرة لمكامن الإبداع لدينا، وتنفض عنا غبار الكسل الفكري. هذا هو الحال مع كل كتابة تثير لدينا قلقاً معرفيّاً أو ثقافياً أو حتى إنسانياً.

ولعلنا لا نختلف على أنّ كل مثير ومُحفّز هو شيء متجاوز يُحدِث لدينا تلك الدهشة، بل ويستفزّنا للمضيّ في التعاطي معه ومحاولة سبره والتماهي معه. وأقصد هنا تلك الشهيّة وذلك الاشتهاء العقلي المنطلق من إدراك فعالية العقل العميقة، وبتوصيف دقيق عند ليبنتز هو فعل المبدأ الداخلي (في الجوهر الفرد) الذي يحدث التبدّل أو العبور من إدراك إلى آخر، أما في علم النفس فهيو نزوع موضوعه الحاجات العضوية (جوع، حركة، إنجاب.. إلخ).

في مقال للكاتب محمد المحمود، شعرت مع قراءته بمتعة ولذاذة عقلية مختلفة عبر تناول رائق وعميق، حيث أبحر بنا "في عالم نجيب محفوظ والتنوير الروائي" وبين لنا كيف أنّ هذا المبدع كان يحمل هَمّاً تنويريا واضحا يخترق المضمون الروائي لكل أعماله؛ مشيراً إلى أن عالم نجيب محفوظ مهما بدا مضمونه الروائي مشدودا إلى عوالم اللامعقول أو إلى متاهات الميتافيزيقيا فمشروعه هو في العمق مشروع تنويري نهضوي منحاز دائما وأبدا إلى الإنسان في كل مكان وزمان ليخلص الكاتب المحمود في نهاية مقاله إلى أن نجيب محفوظ، يبقى أديبا تنويريا تشغله الأفكار الكبرى، وتشده الطروحات الشمولية من أعماقه الأدبية، إلى آخر المقالة التي كانت امتداداً جميلاً لمقالات سابقة عن تجربة محفوظ والتنوير، وهي مقالات جديرة بالعودة لها لما تحمله من أفكار تمنحك تلك اللذة العقلية.

هذا المقال قادني لمقال آخر كتبه الراحل الكبير جورج طرابيشي منحني أيضاً تلك المتعة المعرفية والعقلية، وشعرت بلذاذة الدأب والدافعية في البحث عن الحقيقة والمعرفة، ولا شك فثمّة رهان على جماليّة وعمق التجربة الفريدة والعميقة للراحل والمفكر الكبير طرابيشي تمثلت في مشروعه الفكري اللافت" نقد نقد العقل العربي"، فهذه الدافعية دفعت بهذا المفكّر الكبير لأن يدفع من عمره ربع قرن لتتبّع مشروع المفكّر المغربي الكبير محمد عابد الجابري وتفنيد ما رآه أخطاء معرفية يجب مراجعتها، ممهّداً بذلك باعترافه بتلك الصدمة التي أصابته في كبريائه كمثقف، لأنّه كتب فيما كتب عن كتاب الجـابري مقرّضّاً كتابه بقوله: ”هذا الكتاب من يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”

لكنه لاحقاً لام نفسه لأنّه- كما يشير- حكم على كتاب في موضوع لم يكن يملك كلّ مفاتيحه المعرفية وأقسم ألا يقول بعد ذلك شيئاً أو يصدر حكماً بدون أن يكون مستوثقاً من كلّ المعلومات بصدده.

ويواصل طرابيشي اعترافه:هكذا أخذت قراري بإعادة تربية نفسي وتثقيفها وانكببت انكباباً مرعباً على قراءة كتب التراث وعلى مطالعة عشرات وعشرات المراجع الّتي ذكرها الجـابري والتي رحت أدقق كلّ شاهد من شواهدها وأتحقّق من صحّتها في كلّ المجالات ووقعت على عشــرات وعشرات من الأمثلة على مثل هذا التزوير الّذي أوقع فيه الجابري عن قصد أو عن غير قصد- لا أدري- قراءه وأنا منهم، وإني أعترف للجـابري الذي قضيت معه ربع قرن بكامله وأنا أقرأه وأقرأ مراجعه ومئات المراجع في التراث الإسلامي ومن قبله المسيحي ومن قبلهما التراث اليوناني وكل ما يستوجبه الحوار مع مشروعه بأني أقرّ له أنّه أفادني إفادة كبيرة، وأنه أرغمني على إعادة بناء ثقافتي التراثية، فأنـا له أدين بالكثير رغم كلّ النقد الّذي وجّهته إليه.

مثل هذه القصص على ما يكتنفها من مرارة أو أوجاع لأصحابها لكنها لنا كقرّاء تعد كنزاً فكرياً ثميناً يمنحنا المتع العقلية والفكرية والجمالية وألق الدهشة ولذاذات المعرفة.