لم ألق في حياتي أكثر غثاثةً ولا أثقل دماً ولا أسخف فكراً من المبشرين، ولا أعني بهم الذين يقضون أعمارهم في مساعدة الفقراء والمرضى وتوزيع الأطعمة والماء والأدوية وتطبيب الناس في المناطق الفقيرة والمنكوبة، بل أعني مجموعة من البطالين الذين يحاولون التشكيك في الاسلام والقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، بكلام متهافت مملوء حقداً، يتكلم أحدهم ساعات متواصلة بما يظنه "شبهات" فإذا أردت ان تناقشه في احدى شبهاته فغر فاه وقال: "هاه، هاه، لا أدري"!

إن هؤلاء المبشرين يسيئون الى علاقة المسلمين بالمسيحيين، وكنت قد تكلمت مع بعض رجال الدين العقلاء من المسيحيين عنهم وعن أثرهم السيئ، فقال: إنهم عار علينا، وإنهم لا يفكرون بل يرددون ما يقوله لهم زعماؤهم.

ومن آخر طرائف أو فضائح هؤلاء المبشرين إصدارهم كتاباً سموه "الفرقان الحق"، ولما حصلت على نسخة من الكتاب وقرأتها تفاجأت بمضمون هذا الكتاب الوقح، فالكتاب مكتوب للأمة العربية خاصة والعالم الاسلامي عامة، كما هو مذكور في مقدمته، وهو في 368صفحة من القطع المتوسط، وقد صدر عن مؤسسة تبشيرية في ولاية تكساس في الولايات المتحدة الأمريكية، والجزء الأول من هذا القرآن المفترى مكون من سبع وسبعين (77) سورة، ومن أسماء هذه السور: الفاتحة، المحبة، الغرانيق، الثالوث، الشهيد، الماكرين، النور، السلام، الطهر، الزنا، الزواج، المائدة، المنافقين، الإفك، الجزية، المحرضين، الاساطير، وغيرها.

والبسملة المكتوبة في أول كل سورة هي: "باسم الأب الكلمة الروح الإله الواحد الأحد"، ويعتمد هذا الفرقان المفترى في الأساس على التشكيك في القرآن الكريم وفي النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، ولكنه كعادة المبشرين في أعمالهم يأتي بنتيجة عكسية.

ومما يوضح المقصود السيئ لهم ما جاء في هذا الفرقان المفترى، في سورة الجزية: (إن الذين سلموا لنا أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم وقيادهم ووجوههم مخلصين وسمعوا كلمتنا واتبعوا سنتنا في الانجيل الحق وآمنوا بالفرقان الحق هم عبادنا المخلصون، أما الذين أعرضوا عن سنتنا فقد كفروا بنا وآمنوا بالشيطان الرجيم فهم لأمره مسلمون)، بالله عليكم هل يكتب هذا الكلام من عنده ذرة من عقل، ولن أقول ذرة من بلاغة أو فصاحة؟ إن المبشرين يريدون أتباعاً أغبياء لا يفكرون، يسلمونهم القياد.

أما طعنهم في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فأقرأوا ما كتبوه في سورة الغرانيق: (يا أيها الذين ضلوا من عبادنا لقد ضل رائدكم وقد غوى. وما نطق عن الهوى إن هو إلا وحي إفك يوحى. علمه مريد القوى. فرأى من مدارك الشيطان الكبرى وهو بالدرك الأدنى. وردد الكفر جهراً وتلا: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. إن شفاعتهن لترتجى. كلما مسه طائف من الشيطان زجره صحبه فأخفى ما أبدى. وإما ينزغنه من الشيطان نزغ استعاذ بنا على مسمع جهراً. واذا خلا به قال: اني معك. فقد اتخذ الشيطان ولياً من دوننا وسارَّه بما أخفى... فلا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس إذ ينزل عليه رجزاً. ويربط على قلبه ويؤزه أزاً). الى آخر ما كتبوه من سخف وشتم في حق نبينا الكريم.

أما استهزاء هذا الفرقان المفترى بالمسلمين فتمثله إحدى سوره المسماة سورة الروح، وفيها: (يا أيها الذين ضلوا من عبادنا: اذا سئل أحدكم عن الروح قال: الروح من أمر ربي. فما أوتيتم من العلم كثيراً أو قليلاً وما سألتم أهل الذكر الذين بشروا بالروح قبل جاهلية ملتكم بمئات السنين. وإذا استشهدتم في سبيل جنة الزنا فقد نعم كفرة الروم قبلكم بجنة تجري من تحتها الأنهار يلبسون فيها ثياباً خضراً وحمراً متقابلين ومتكئين على الأرائك يطوف عليهم ولدان ونساء بخمور ولحم طير وما يشتهون وهم الكافرون. وبزت جنتهم جنتكم التي استشهدتم في سبيلها فرحين طمعاً بما وعدتم به من زنى وفجور).

وسأختم نقولاتي عن هذا الفرقان المفترى بنص طريف ورد في سورة من سورهم اسمها الطهر، وفيها: (وما كان النجس والطمث والمحيض والغائط والتيمم والنكاح والهجر والضرب إلا كومة ركس لفظها الشيطان بلسانكم وما كانت من وحينا وما أنزلنا بها من سلطان. جحرتم فيها رؤوسكم فعميت بصائركم فلا ترون نور الحق ولا تفقهون من أمور الآخرة أمراً). فأي سخف أسخف من قولهم (كومة ركس، وجحرتم)؟

لم أرَ أمة هي أهون على أعدائها من أمتنا، فكيف ملك هؤلاء الجرأة ليخرجوا لنا قرآناً جديداً؟ ألم يبالوا بمشاعر أكثر من مليار مسلم؟ هل يستطيع هؤلاء أن يخرجوا للصينيين كتاب "تاو" جديداً؟ أو للهندوس كتباً مقدسة جديدة؟ أو لأي ديانة أو أمة كتاباً مقدساً جديداً؟ هل يستطيعون أن يخرجوا للزرادشتيين، وهم لا يتجاوزن الآلاف المعدودة كتاباً جديداً بدلاً من كتب زرادشت؟ بل هل يستطيعون أن يغيروا حرفاً واحداً من "التوراة السامرية" واليهود السامريون لا يتعدون خمسمائة (500) نفس؟

ليس غريباً، مع انه غريب، فعل هؤلاء الموتورين، بل الغريب حقاً أن يتم توزيع هذا الفرقان المفترى على الطلبة المتفوقين في بعض المدارس الخاصة الأجنبية في إحدى دول الخليج!

يجب على المنظمات الاسلامية والمفكرين المسلمين إيقاف هذه المهزلة، إن أصوليي المسيحية لا يقلون جنوناً عن أي أصوليين آخرين، فلابد من وقفة حازمة معهم.

ومع انني لا أحب مهاجمة أديان الآخرين بديل تفهمها وحوارها، إلا انني أراني مضطراً لنصيحة هؤلاء المبشرين بأن يهتموا بإصلاح كتابهم المقدس قبل أن يفكروا باصلاح كتب غيرهم، ومن المناسب هنا أن أشير الى كتاب صدر قبل سنوات قليلة عنوانه: "الكتاب المقدس والاستعمار الاستيطاني" ومؤلفه هو الأب مايكل برير وهو رجل دين مسيحي وعميد كلية اللاهوت في جامعة سانت ماري في بريطانيا، فقد تعرض في كتابه هذا الى نقد الكتاب المقدس، ومما قال فيه: على المرء أن يعترف بأن أجزاء كثيرة من التوراة، ومن سفر التثنية بشكل خاص، تحوي عقائد مخيفة، وميولاً عنصرية، وكراهية للغرباء، ودعماً للقوة العسكرية، لقد اكتشفت أن بعض التقاليد الكتابية اضافة الى كونها انتشرت دعماً للصهيونية، انها قدمت جزءاً من التسويغ العقدي للفصل العنصري في جنوب افريقية أيضاً، وفوق ذلك قدم اللاهوت المسيحي بعضاً من الدعم الفكري للغزو الأسباني لأمريكا اللاتينية. بدا واضحاً الآن أن بعض القصص الكتابية أسهمت في معاناة أعداد لا تحصى من المواطنين المحليين الأصليين. إن ما أمرت به تلك القصص الكتابية وفقاً للمعايير العصرية للقانون الدولي وحقوق الانسان هو (جرائم حرب) و(جرائم ضد الانسانية).

وذكر المؤلف أن قراءة الكتاب المقدس من جانب أخلاقي تسبب أزمة للقارئ لا سيما إذا كان من الذين اكتووا بنار الاستعمار المستند الى الكتاب، وهذا ما دعا المؤلف الى الدعوة على اعادة تأويل الكتاب ليتوافق مع الجانب الأخلاقي.

لقد كان الأولى بهؤلاء المبشرين الذين اختلقوا الفرقان المفترى (والغريب أن منهم مسيحيين عرباً) أن يهتموا بكتابهم وبإصلاحه، بدلاً من أن يثيروا الناس ويؤججوا مشاعر العداء الدينية، فالعالم لم يعد يحتمل إشعال أي عود ثقاب آخر.

بقيت مسألة أردت أن أرجئها الى آخر المقالة، وهي أن هذا الفرقان المفترى يحاول أن ينسج على منوال القرآن الكريم والذكر الحكيم، وهذا دليل على سخف عقل كاتبيه، فأين هذا الكلام الركيك من ذلك النص البليغ؟ ومما يليق ذكره هنا ما قاله الإمام أبو محمد بن حزم الأندلسي، فبعد أن تكلم عن عجز مشركي قريش عن معارضة القرآن، قال: "ثم عمر الدنيا من البلغاء الذين يتخللون بألسنتهم تخلل البقرة ويطيلون في المعنى التافه إظهاراً لاقتدارهم على الكلام، جماعات لا بصائر لهم في دين الاسلام منذ أربعمائة عام وعشرين عاماً، فما منهم أحد يتكلف معارضته إلا افتضح وسقط وصار مهزأة ومعيرة يتماجن به وبما أتى به ويتطايب عليه، منهم مسيلمة بن حبيب الحنفي لما رام ذلك لم ينطق لسانه إلا بما يضحك الثكلى، وقد تعاطى بعضهم ذلك يوماً في كلام جرى بيني وبينه، فقلت له اتق الله على نفسك فإن الله تعالى قد منحك من البيان والبلاغة نعمة سبقت بها ووالله لئن تعرضت لهذا الباب بإشارة ليسلبنك الله هذه النعمة وليجعلنك فضيحة وشهرة ومسخرة وضحكة كما فعل بمن رام هذا من قبلك. فقال لي: صدقت والله أظهر الندم والاقرار بقبحه. قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الذي ذكرنا مشاهد وهي آية باقية الى اليوم والى انقضاء الدنيا".