ما الذي يقذف بكل هؤلاء إلى هاوية الإرهاب؟ ما الذي يجعلهم يتخلون ببساطة عن حياتهم؟ بل ويقتلون بدم باردٍ أقرب أحبائهم؟ أسئلة واضحة ومباشرة، ونحن لا نزال نراوح إجابات المربع الأول، باختلافنا حول أسباب هذه الظاهرة التي تزداد تطرفاً وبشاعة كل مرة. لماذا يضحي هؤلاء بأرواحهم ببساطة دون مطالبة قادتهم بالمثل! لمَ ينهي هؤلاء حياتهم هكذا بلمح البصر؟ رغم أن غالبيتهم من الشباب اليافع؛ ممن ينتظر مباهج الحياة وزينتها!

لنعد إلى الوراء قليلاً ولنتصور إجابات هذه الأسئلة: لماذا تحافظ على الصلوات الخمس في وقتها ومع الجماعة؟ لمَ تَكف لسانك وأذاك عن الناس؟ لمَ تبَرُ وتسهر على خدمة والديك؟ لمَ تتحلى بالأخلاق الحميدة؟ ولسنوات طويلة حتى الوفاة، بينما بالإمكان أن تقطف الثمرة سريعاً ودن كل هذا الكلل والالتزام!

هنا تنشط الآلة التسويقية غير المباشرة للجماعات الضالة، وتتوافق أهدافها الخبيثة بما قد يفكر به ثلة من المنبهرين حديثاً بالخطاب الحاد والمتطرف لتلك الجماعات، فهؤلاء الشباب وغالبهم دون العشرين ربيعاً لا يطيق الصبر ولا يتحمل مسيرة التزامٍ طويلٍ، هم يرغبون الوصول إلى "الجنة" بطريق "إكسبريس" حيث لا توقّف ولا منعطفات، أي دون التعب طويلاً في أداء الواجبات الدينية ودون التحلي الحقيقي بأخلاق وجوهر الإسلام، هم للأسف نتاج ظواهر اجتماعية متعددة، أهمها حياة الترف في مجتمعنا، مما أنتج أفراداً لا يؤمنون بالعمل الجاد والمتراكم، فالكثير يستعجل الوصول إلى الهدف دون بذل العرق في سبيل تحقيقه، ويكاد يطير فرحاً حينما يقفز على المراحل، فالهدف أن يكون مديراً بسرعة ليستريح، أو رائد أعمال لا يشق له غبار دون تضحيات، وللأسف الفوز بالجنة ليس استثناءً من ذلك.

يبحث ذلك المراهق عن الثمرة النهائية دون بذل الأسباب، وهو القادم من أقصى الانغماس في الملذات، فلا يطيق قطع نومه المتأخر ليصلي الفجر في جماعة، أو ليستمر بالالتزام سنة، وأخلاق نبينا الكريم في الصدق والأمانة وحسن التعامل مع الناس، ناهيك عن جهاد بر الوالدين، وهكذا يكون مستعداً للتضحية بحياته فقط ليصل سريعاً لشهواته.

ولعلي أضيف هنا أن كثيراً من صغار السن والشباب من هؤلاء كانوا في الجهة المقابلة وانتقلوا بلمح البصر إلى الجهة المضادة دون تدرج أو فهم لمتطلبات هذا الالتزام، بعضهم تحوّل بسبب موقف اجتماعي صادم تعرض له، أما أكثرهم فمؤخراً بسبب تأثيرٍ مكثف من طرف آخر مجهول عبر قنوات الاتصال الاجتماعي، وصدٍ وعدم اهتمام من الوالدين أو علماء الدين.

دعونا نكون صريحين مع أنفسنا، فالمسألة تتجاوز مناهج التعليم أو حلقات تحفيظ القرآن، فجيل الإرهابيين الجدد هؤلاء لم يدرس تلك المناهج ولم يلتحق بالحلقات، لكنه جيلٌ مترف يطمح الفوز بالجنة عبر أقصر الطرق وأسهلها. فهل ندرك ذلك أم نستمر في تجرع المأسي ولوم الجميع إلا أنفسنا.

asalsultan@gmail.com