في عام 2013 أرسلت الامم المتحدة لجان تحقيق إلى سورية وذلك لتقصي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة والتحقق من هوية مرتكبيها، وقد تم رصد ما يزيد على 126 ألف جريمة ضد الإنسانية وانتهاكات لحقوق الإنسان. تلا ذلك تحقيق قامت به لجنة العدالة والمسؤولية الدولية بالتعاون مع 50 محققاً سورياً في عام 2015 لتقصي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سورية بهدف جمع أدلة وبراهين تكون جاهزة للتقديم عند وجود أي محاكمة جنائية للجرائم المرتكبة في موقع النزاع.

المحكمة الجنائية الدولية هي المختصة بالنظر في جرائم الحرب ومحاكمة مرتكبيها، ولكن يشترط لانعقاد اختصاها أن تكون الدولة عضواً موقعاً على النظام الأساسي للمحكمة (نظام روما)، وسورية ليست طرفاً في هذا النظام، وفي هذه الحال نكون امام ثلاثة خيارات، الأول: أن يقوم مجلس الأمن في الأمم المتحدة بإحالة الجرائم للمحكمة، الثاني: أن تقوم سورية بالانضمام لنظام روما الأساسي والثالث: أن يقبل النظام السوري اختصاص المحكمة في هذه القضايا، وبناء على الوقائع ومقتضيات الحال، فيبدو أن الخيارين الثاني والثالث مستبعدان في المستقبل القريب، وأما الأول فقد كانت هناك محاولات لعرض الامر على مجلس الامن لكن استخدام روسيا لحق الفيتو استمر في ايقاف قرار رفع القضية للمحكمة الجنائية الدولية ثلاث مراتٍ متتالية.

ومن بين الخيارات التي يقدمها القانون الدولي، هو إنشاء محكمة جنائية مختصة بجرائم محل النزاع، مثل انشاء محكمة نورمبرغ وطوكيو عام 1945 م وقد كان انشاؤهما لمهمة معينة وهي محاكمة كبار مجرمي الحرب من الدول المهزومة في الحرب العالمية الثانية، وباتفاق خاص دولي وهو ما يمكن أن يحدث الآن في سورية، فمن الممكن أن تقوم مجموعة من الدول مثل(اميركا، بريطانيا، تركيا ودول الجامعة العربية) بصياغة اتفاق يقضي بإنشاء محكمة جنائية مدوّلة مختصة بالنظر في قضايا المسؤولية الفردية المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وما يجب الإشارة إليه أن المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب هي ليست مسؤولية دولية على عاتق الدولة ككيان وإنما هي مسؤولية فردية، وهو ما تقره قواعد القانون الدولي بأن لا مسؤولية جنائية على الدول وإنما على الأشخاص مرتكبي الجرائم سواء أكان رئيس دولة أو قائد عسكري او أحد الجنود، لذلك يوجد ما يعرف "بالولاية القضائية العالمية"، ومقتضاها أنه يحق لأي دولة تعمل محاكمها بالاختصاص القضائي العالمي؛ ان تقوم بمحاكمة مجرمي حرب دول أخرى طالما تلك الدولة التي ينتمون إليها لم تقم بأي محاكمة لهم، وذلك عندما لا تتخذ الدول إجراءات قانونية بناء على أسس أخرى للولاية القضائية (مبدأ الإقليمية أو الشخصية أو الحماية)، فهذه الولاية العالمية هي وسيلة لتحقيق العدالة الدولية ومقاضاة مرتكبي الجرائم الجسيمة ضد الإنسانية من دون أي حصانات.

وقد نص نظام "المخالفات الجسيمة" الذي أُرسي في اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي على أن الدول الأطراف ملزمة قانونًا بالبحث عن الأشخاص الذين يُدعى ارتكابهم مخالفات جسيمة. وعلى الدول أيضًا محاكمة هؤلاء الأشخاص، وهذا إثبات لمبدأ الولاية القضائية العالمية. وقد ذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيانها الصادر في نيويورك/ 2015، أنها حددت أكثر من 100 دولة أرست شكلًا من أشكال الولاية القضائية العالمية على جرائم الحرب في نظمها القانونية الوطنية.

وبتطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية على الوضع في سورية، فيجب على الدول تطوير نظامها القضائي والأخذ بالاختصاص العالمي وذلك لمحاكمة وملاحقة كل من يخرج من سورية بعد ارتكابه لجرائم ضد الإنسانية.

وحالياً بوجود الأسد وأفراد نظامه داخل سورية واستمرار الانتهاكات، فيجب اللجوء الى الحوارات السياسية والوسائل الدبلوماسية لإقناع روسيا بعدم استخدام حق الفيتو ضد إحالة النظام السوري للمحكمة الجنائية الدولية، فهذا الاستخدام بحد ذاته انتهاك لكل معاني الإنسانية وموافقة ضمنية على جرائم العدوان الحاصلة في سورية.

*محاضرة في القانون الدولي