«إياك والهجاء يا أبا عبادة، فليس من عملك وهو من عملي». بهذه العبارات خاطب الشاعر ابن الرومي البحتري الذي صرّح له في أول لقاء جمع بينهما بعزمه على نظم قصيدة هجاء على نمط هجائية سابقة لابن الرومي، ويمكن أن نرى في العبارات السابقة أحد مظاهر «الهوس» بالهجاء لدى الشاعر وشعراء آخرين غيره، فالشاعر يعشق الهجاء ويرى بأنه من اختصاصه وهو الذي يتفوق فيه ولا ينبغي أن يُزاحم عليه، وتصفح سريع لديوان ابن الرومي كافٍ لمعرفة حجم الهوس بالهجاء وتفضيله على سائر الأغراض، وقد قال مرةً لمن لاموه على الهجاء:

قيل لي: لِمَ ذممتَ كُل البرايا

وهجوتَ الأنام هجوًا قبيحا؟

قلتُ: هب أنّني كذبتُ عليهم

فأروني من يستحقُ المديحا؟

في الدفاع عن ابن الرومي وتبرير كثرة هجائه يرى الناقد الكبير محمود عباس العقاد بأننا لو «نصبنا ميزان العدل لكان ابن الرومي ملومًا على المدح أضعاف لومه على الهجاء، فقد كان يكذب حين يمدح ويتوسل، ولم يكذب حين يهجو وينتقم». وأعتقد أن هذا التبرير غير مقنع لاسيما أن ابن الرومي وغيره من الشعراء أسرفوا في الهجاء المقذع لدرجة أن الواحد منهم عاد ليهجو نفسه وأقرب المقربين منه وأكثر الناس إحسانًا إليه!

وهجاء الشاعر للمحسنين إليه أحد أبشع صور الهوس بالهجاء أيضًا، وقد أبدى المرزباني (ت384هـ) في (الموشح) استغرابه من انتقاد ابن الرومي بخبث لسانه وكثرة هجائه وتجاهل البحتري الذي فعل ما هو أسوأ منه، إذ قام بهجاء أكثر من أربعين شخصًا بعد أن مدحهم وقبض ثمن مديحه، يقول المرزباني: «وكثير من أهل الأدب ينكر خُبث لسان علي بن العباس الرومي، ويطعن عليه بكثرة هجائه، حتى جعلوه في ذلك أوحد لا نظير له، ويضربون عن إضافة البحتري إليه وإلحاقه به، مع إحسان ابن الرومي في إساءته، وقصور البحتري عن مداه فيه .. أعني الهجاء خاصة، لأن البحتري قد هجا نحوًا من أربعين رئيسًا ممّن مدحه، منهم خليفتان، وهما المنتصر والمستعين، وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القوَّاد .. وحالُهُ في ذلك تُنبئ عن سوء العهد، وخُبث الطريقة».

في الشعر الشعبي كما في الشعر الفصيح نماذج عديدة لشعراء مصابين بحالة الهوس بالهجاء من دون وجود مبررات مقنعة لذلك، لكننا لا نكتب ولا نتحدث عنها في مقابل إسرافنا في الكتابة والحديث عن هوس الشعراء بالمدح وشغف بعضهم بمديح كل ما هبّ ودب، وأظن أن أحد أهم أسباب غياب الحديث عن المهووسين بالهجاء هو الموقف الرافض للهجاء من فئة غير قليلة من المتلقين، إلى جانب صعوبة وجود قصائد الهجاء في دواوين أولئك الشعراء ومحدودية تداولها في وسائل الإعلام، وبالتالي انعدام تأثيرها بعد فترة بسيطة من نظمها.

أخيرًا يقول عطا الله ممدوح:

الصوم صحّه واغتنم كل ما فيه

لو تحتسب ما أنت بعلى شيء نادم

وأفضل رجيمٍ فيه تقدر تسويه

إنك ما تاكل من لحوم الأوادم