رغم كل ما قدمه الباحث الجزائري الكبير "محمد أركون" في مجال دراسة الفكر العربي القديم، فإن أطروحته لنيل الدكتوراه من جامعة السوربون في الخمسينيات من القرن الماضي ما تزال تعتبر إلى اليوم من أهم ما أنجز، ففي تلك الأطروحة التي تناولت ما سماه بـ"الأدب الفلسفي عند " التوحيدي" ومسكويه"، تحدث عن تيار "أنسنة عربية" عرفه القرن الرابع الهجري ولم يكن واضحاً كل الوضوح في القرون التي سبقته، وقد جلا "أركون" في أطروحته الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساعدت على نمو هذا التيار، كما عرض بإسهاب لماهية هذه الأنسنة ومضامينها وبخاصة لدى "التوحيدي ومسكويه"، مما لم يسبق إليه، وشكلت هذه الأطروحة فتحاً في مجال الدراسات العربية التي تتصل بالتراث، مختلفاً عما كان معروفاً ومألوفاً، كانت بداية توجه جديد تأكد معه أن تيارات الأنسنة التي عرفتها الآداب الغربية الحديثة ابتداء من القرن الثامن عشر لم تكن وقفاً على هذه الآداب، وإنما عرفها العرب منذ زمن بعيد عندما نضجت ظروفها قبل أن يعرفها الغربيون في العصر الحديث.

ونظراً لأهمية ما توصل إليه "أركون" في أطروحته، وقد كانت فاتحة لدراسات شتى في التراث تابعها هو بالذات ومعه باحثون عرب آخرون وبخاصة من بلدان المغرب العربي، فإننا سنعرض للأفكار الأساسية التي تناولها كما سنعرض لتيارات جديدة في دراسة التراث بدأت تظهر في السنوات الأخيرة، متجاوزة "زمن حديث الأربعاء" لـ"طه حسين" وما أنجزه الباحثون الرواد الآخرون، ولا شك أنّ الثقافة الأجنبية، ومعها المناهج النقدية الحديثة، ساهمت مساهمة كبيرة في بلورة هذه التيارات وساعدت في نضوجها.

يشيد "أركون" بآثار "التوحيدي" -توفي سنة ٤١٤هـ- و"مسكويه" -توفي سنة ٤٣٠هـ-، فهي تكشف بوضوح وصرامة نقدية ويقين متقد من اهتمامات الجيل اللاحق للفارابي والمنتهي بابن سينا (توفي سنة ٤٢٨هـ) وعن أفكار هذا الجيل وأهدافه، فقد أعلن "التوحيدي" بوضوح مقولته الشهيرة: "إن الإنسان أشكل عليه الإنسان"، وهي المقولة التي جعلت كل ما لديه متمركزاً حول الإنسان: كتاباته وتمرده الفكري ونقده القاطع، وذلك من دون أن يتخلى عن بعده الروحي، ففي كتابه "الإشارات الإلهية" تحدث عن تعطيل الشعائر من أجل خلق فضاء مناسب للمسار الروحي، كما أنه كان يريد ربط العمل السياسي بأخلاق إنسانية ملموسة في المجتمع، وإثراء خطابة "أرسطو" بالبيان والنحو العربيين، واستثمار الكتابة التاريخية لتوضيح الحوارات الفقهية، واستدعاء كل المواد الدراسية والمعارف الموجودة والمراقبة بدقة كما ينبغي، من أجل كشف أسرار الإنسان والعالم والتاريخ، وكل هذا يؤدي إلى توسيع مستمر لآفاق العقل، وإعلاء شأن الإبداع، والبحث عن الجميل وعن الحقيقي وعن العادل، وبقبول كل التقاليد الثقافية في المدن المتعددة الطوائف والاتجاهات الفكرية مثل بغداد والري وأصفهان.

أما "مسكويه" فقد كان صدى لـ"التوحيدي" وكافلاً لحيرته ومحاوراته، إذ أنّه يعكس الصفاء والتربية الدؤوبة، والرؤية المتأنية المتزنة للحكيم الفيلسوف الناهل من الثقافة الأجنبية، والمنفتح على تاريخ كوني لثقافات وشعوب مختلفة، كما كانت معروفة في زمنها، وقد غمرتها القوة التأويلية للمادة و"الميتافيزيقا" وللأخلاق والمنطق الأرسطي.

"التوحيدي ومسكويه" لم يكونا منعزلين، فالأول بحسه النقدي، وصرامته الوجودية الحادة، ترك لنا صوراً محدودة عن معاصريه الذين كان يلتقي بهم بانتظام في قاعات الفلسفة والأدب المسماة "بمجالس العلم"، ولكن تلك الصور كانت موحية ومثيرة، ففي تلك المجالس خصوصاً، شهدت المحاورات أو المناظرات بين ذوي الخبرة في العديد من المجالات ومن المدارس الفكرية المتنوعة، أروع لحظات تطبيقها إلى أن صارت نوعاً أدبياً قائماً بذاته، كما أن كبار الوزراء مثل "أبي الفضل" وابنه "أبي الفتح بن العميد" و"الصاحب بن عبّاد"، الذين كانوا ذوي سلطة فكرية وسياسية في الوقت ذاته، قد ازدادوا سمّوا من خلال مشاركتهم بهذه المواجهات وبهذه المعارك من أجل الإنسان، وبفضل هيبة المجالس ومن خلال دعمهم السياسي لها.

ولكن الظروف التي أنعشت حالة الأنسنة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، كانت كما ذكرنا سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ولكن هذه الظروف توقفت تدريجياً عن الوفاء بالتزاماتها منذ القرن الخامس الهجري، فالسياسة التقليدية أو سياسة التشدد التي تقيد التعددية والتنوع، تعززت مع ظهور السلاجقة الأتراك منذ سنة ٤٢١هـ، ثم ازدادت قوة، ولعهد طويل، مع ظهور العثمانيين منذ سنة ٨٥٧هـ وسقوط القسطنطينية، وإلى أن أسقط كمال أتاتورك الخلافة سنة ١٩٢٤.

تلك هي الخطوط العامة لرؤية "محمد أركون" لهذه السماحة الإنسية أو الإنسانية التي عرفها الفكر العربي في أواخر القرن الثالث الهجري وصولاً إلى القرن الرابع الهجري، جلا "أركون" هذه الصفحة النضرة في تراثنا القديم، وظل يعود إليها على الدوام في دروسه التي دأب على إلقائها في السوربون التي تخرج فيها ثم أصبح أستاذاً مرموقاً فيها، ولكن "أركون" لم يتوسع في بسط رؤيته هذه لتشمل عصوراً وفنوناً عربية أخرى عرفت مثل هذه النزعة الإنسية، ففي اعتقادنا أن نفوذ هذه النزعة في الشعر العربي القديم (وفي الحديث أيضاً) لا يقل عن نفوذها في الفترة الزمنية التي تحدث عنها، وبخاصية عند "التوحيدي ومسكويه".

في الشعر الجاهلي نلمس هذه النزعة عند شعراء كثيرين كطرفة وعنترة وامرئ القيس، ونلمسها في الشعر العباسي عند المتنبي في قصائد كثيرة مثل قصيدته "الميمية" في وصف الحمى التي فتكت به في مصر زمن إقامته فيها، ونلمسها بخاصة عند أبي العلاء المعري فيما لا يحصى من المواضع في شعره ونثره، من ذلك:

فلا هطلت عليّ ولا بأرضي

سحائب ليس تنتظم البلادا

ومن ذلك أيضاً:

إطلاق كفّك برغوثاً ظفرت به

أبرُّ من درهم تعطيه محتاجا

ولا يفي بيتان أو عدة أبيات للتدليل على وجود هذه النزعة عند المعري، فالواقع أن أدب المعري يقع بوجه عام في عالم هذه النزعة، ولا يستقل المتنبي أو المعري بهذه النزعة، فهي منثورة في الأدب العربي والشعر العربي القديمين سواء في المشرق العربي أو في الأندلس، فهذا أمية بين أبي الصلت الأندلسي يقول:

إذا كان أصلي من تراب، فكلها

بلادي، وكل العالمين أقاربي

وهو بذلك يسبق كل العقائد الحديثة التي تأسست على الأخوة الإنسانية والمساواة بين البشر، وفي هذه الشعبة من الموضوع نجد قولاً جميلاً للبحتري:

ولا تقل: أمم شتى، ولا فرق

فالأرض من تربة، والناس من رجل

وهناك شاعر قديم يقول في هذا الباب أيضاً:

وإن جاءني يلتف بالطمر أحمر

أتاني أخاً من جانب الأرض يُقبل!

وقصيدة ابن عربي التي تبدأ بالشطر التالي: "لقد صار قلبي قابلاً كل صورة معروفة، وهي تجسد هذه النزعة الإنسية خير تجسيد، ويمكن للباحث أن يجد صدى لهذه النزعة في الشعر العربي المعاصر والحديث، من ذلك قول الشاعر المهجري ندرة الحداد:

هودا قمحي الذي أحسبه

ما عشتُ، قمحك!

إنها إجادات يباهي بها أدب العرب كل أدب، ولكنها بحاجة إلى تسليط أضواء ومناهج بحث جديدة عليها، تماماً كما فعل "محمد أركون" "التوحيدي ومسكويه" عندما اكتشف لديهما النزعة الإنسية التي جعلها موضوعاً لأطروحته الجامعية، فهذه النزعة كما رأينا لا تقتصر على عصر من العصور الأدبية العربية، ولا على شاعر أو كاتب دون سواه، وإنما هي شائعة في عصور ولدى أدباء وشعراء بلا حصر.

ولكن الأدب العربي اليوم بحاجة لا إلى مجرد التعمق في دراسة النزعة الإنسية فقط لا غير، وإنما إلى التعمق في دراسة ظواهر كثيرة فيها لم يلتفت إليها، أو لم يتعمق فيها جيل "طه حسين" و"العقاد" و"المازني"، ومثل هذه الدراسات بدأت تشيع عند الباحثين والنقاد المغاربة والتونسيين والجزائريين بشكل خاص بسبب تفاعلهم مع الثقافة الأجنبية، في حين توقف، أو كاد، عطاء أكثر زملائهم في البلدان العربية الأخرى بسبب انعدام أو محدودية هذا التفاعل.