إحدى الأفكار العظيمة في شبكة الإنترنت هي "البت كُوين" Bitcoin، أو العملة النقدية الرقمية غير المركزية، والتي تتداول اليوم بين مستخدمي الشبكة، ويمكن مقارنتها وتحويلها إلى العملات النقدية الحقيقية، هذه العملة ليست الوحيدة من نوعها ولكنها الأشهر والأكثر انتشاراً، بيد أن المثير أن مبتكرها هو شخصية مجهولة، أطلق على نفسه الاسم الرمزي: "ساتوشي ناكاموتو"! والذي أوحي للجميع أنه ياباني.

تعد "البت كُوين" أول تطبيق لمفهوم "العملة المشفرة"، والذي تحدث عنه لأول مرة عام 1998 في قائمة" سيفربانك" البريدية، كانت الفكرة تتمحور حول شكل جديد من المال يعتمد التشفير للتحكم في إنشائه والتعامل به، متجاوزاً سلطة ورقابة البنوك المركزية. بعد ذلك طرح "ناكاموتو" فكرته للمرة الأولى عام 2008م في ورقة بحثية، ورغم أن المشروع رأى النور سريعاً إلا أنه تركه بعد عامين دون توضيح المزيد حول شخصية مبتكرها.

تعتمد فكرة النظام النقدي لهذه العملة على مبدأ "الند للند" في التعاملات المالية، أي التعامل المباشر بين مستخدم وآخر دون وجود وسيط بينهما، وعلى التوقيع الإلكتروني والتشفير بين طرفين اثنين دون وجود هيئة وسيطة تنظم التعاملات، وبالتالي فإن النقود تنتقل من المحفظة الإلكترونية لحساب مستخدم إلى المحفظة الإلكترونية لمستخدم آخر بشكل فوري ودون وجود رسوم تحويل، وكذلك دون المرور عبر أي مصارف أو أي جهة كانت.

بعد طرحها عام 2009م تطورت وتوسعت، وأضحت لا تحتاج إلى متطلبات أو شروط مسبقة، وصار من الممكن استخدامها لشراء مواد كثيرة عبر شبكة الإنترنت، بعد تزايد عدد المواقع الإلكترونية التي تقبلها، والأهم من ذلك تداولها مع العملات الرئيسية كالدولار واليورو والين، حيث يقدر الخبراء سعر البت كُوين الواحد حالياًبـ 450 دولاراً أمريكياً، بعد أن كان يعادل دولارات معدودة قبل عامين فقط!

خلال السنوات الماضية حاول العشرات الاستفادة من غموض شخصية مبتكرها، والزعم أنهم هم الشخصية المتوارية؛ لكنهم جميعاً باءوا بالفشل، لأنهم ببساطة لم يستطيعوا إثبات ذلك! حتى قبل أسابيع قليلة حينما أعلن المهندس الأسترالي "كريغ رايت" أنه هو "ساتوشي ناكاموتو"! وأكد ذلك بتوقيعه رسائل إلكترونية مستخدماً مفاتيح تشفير ابتكرت في بدايات تطوير العملة، وبمجرد إعلانه أكد "غافين أنديرسن" -أحد علماء مؤسسة "بت كُوين"- مزاعمه، لكن بمجرد الكشف عن شخصية "رايت" كان عليه أن يشرح سبب تخفيه وابتعاده عن الأضواء رغم نجاح المشروع.

حاول "رايت" الهروب من وسائل الإعلام العالمية، لكن في النهاية رضخ وأشار إلى أن سبب تخفيه كان رغبته في العمل، وأنه لم يكن يرغب لا بالمال ولا بالشهرة، فقط "يريد أن يكون بمفرده"! وهذا ما دفعه للتخفي وراء اسم ياباني! لكنه اضطر في النهاية للكشف عن هويته رغم احتمالية تعرضه للمساءلة من قبل سلطات الضرائب بسبب دخله من عملته الرقمية. والذي يقدر اليوم بمليون "بت كُوين" أي حوالي نصف مليار دولار أميركي!

فكرة معقدة تكاد تقلب موازين سوق التعاملات المالية يوماً ما، ومبتكرها يتوارى عن الأنظار ويزعم أن سبب ذلك رغبته الاستمرار في ما عمل ما يحب وحيداً! فكم من فكرة مبتكرة قد يقتلتها حب الظهور وقطف الثمرة قبل نضجها؟