يتابع صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز أمير منطقة حائل رئيس اللجنة العليا لتطوير المنطقة باهتمام بالغ أعمال الفريق السعودي العلمي المتخصص باستكشاف مدينة فيد التاريخية - شرقي مدينة حائل - حيث واصل أعضاء الفريق بقيادة الدكتور فهد الحواس واشراف مباشر من الدكتور سعد الراشد وكيل وزارة التربية والتعليم للآثار والمتاحف.. البدء فعلياً في الأعمال الميدانية الدقيقة من خلال القيام بعمل دراسات مسحية تسجيلية توثيقية بالإضافة إلى تنقيبات أثرية وفق أسس علمية وتجهيز الخرائط والمخططات التفصيلية لمدينة فيد ومعالمها التاريخية والعمرانية.

«الرياض» زارت بدورها مدينة فيد وذلك للوقوف ميدانياً على خطى تنفيذ أعمال الحفر والتنقيب عما يعتقد انها أكبر المدن الإسلامية المزدهرة قديماً والمطمورة تحت الأرض واظهار ملامح واحدة من أهم المدن الإسلامية المبكرة في وسط الجزيرة العربية حيث التقت الدكتور فهد الحواس، مدير المشروع، الذي أكد في تصريح خص به «الرياض» أن مشروع استكشاف مدينة فيد التاريخية لم يأت فقط لكشف النقاب عن معلم أثري وسياحي مهم فحسب وانما تخطت فكر المشروع إلى أهداف بعيدة المدى تصل للتعرف على الدور التاريخي والحضاري لمدينة فيد التاريخية وإعداد دراسات علمية موسعة توضح العمق التاريخي والحضاري لمنطقة حائل في العصور الإسلامية من خلال المكتشفات الأثرية في مدينة فيد التاريخية كذلك جعل فيد نقطة جذب للزائرين من داخل المنطقة وخارجها وتحفيز السياحة الثقافية في المنطقة بالإضافة إلى تنظيم رحلات علمية وثقافة وسياحية تنطلق على مسار درب زبيدة تكون مدينة فيد فيها نقطة توقف رئيسة لمشاهدة معالمها الأثرية المكتشفة وتوفير مواد للعروض المتحفية من الآثار المكتشفة لعرضها في متحف حائل المعتمد إنشاؤه مؤخراً والعمل على إنشاء متحف داخل المنطقة الأثرية يخصص لمناشط أعمال التنقيب بمدينة فيد والمكتشفات التي تظهر أثناء أعمال الحفر لعرض مواقع الحفريات والمعالم الأثرية للزوار والمواطنين إلى جانب تنشيط الحركة الاقتصادية من خلال الرحلات السياحية المنظمة للموقع وإيجاد فرص عمل لأبناء المنطقة في مجال الآثار والتراث وصولاً إلى إيجاد وعي بأهمية مواقع التراث الثقافي وتنمية وتوظيف المواقع الأثرية بهدف حمايتها والمحافظة عليها وتهيئة الموقع لإقامة المناشط الثقافية المتعددة.

وأوضح الحواس ان الزيارات العلمية التي أعدت وفق خطة العمل لتوظيف الخبرات العلمية قد خلصت إلى ضرورة الاستفادة من خبرات المختصين حيث بادر الدكتور سعد بن عبدالعزيز الراشد وكيل الوزارة للآثار والمتاحف والدكتور ضيف الله مضيف الطلحي مدير عام مركز الأبحاث والتنقيبات الأثرية والدكتور أنيس الباحث في الدراسات الأثرية للقيام بزيارات ميدانية لموقع المشروع وذلك لتقديم الدعم العلمي لأعضاء الفريق في مهمته الاستكشافية.

أضاف يقول لقد قام فريق العمل بإعداد خرائط ومخططات للمواقع الأثرية، تضمنت مجموعة من الخرائط الكنتورية والشبكية لمواقع المدينة السكنية ومنطقة التلال وحصن فيد الأثري «قصر خراش» وبرك زبيدة التي تقع جنوب شرقي الحصن، بالإضافة إلى رفع مساحي لأهم المعالم الأثرية، ورسم كافة المعالم الأثرية المكتشفة وتوثيق كافة المعالم الأثرية في المواقع فوتوغرافيا أثناء المسح التسجيلي، بالإضافة إلى تصوير المعالم الأثرية القريبة من مدينة فيد التي شملت الرسوم الصخرية والنقوش والكتابات القديمة وأساسات المباني والدوائر الحجرية، كذلك تصوير كافة تفاصيل المعالم الأثرية المكتشفة في كل من منطقة التلال والسور الجنوبي للحصن وفسقية الحصن.

ولفت مدير المشروع إلى قيام فريق العمل العلمي بمسح وتوثيق وتسجيل كامل المواقع الأثرية التي شملت المدينة السكنية التي تحوي أكثر من مائة وحدة معمارية عبارة عن أساسات مبان بعضها يشكل وحدات معمارية متكاملة، بالإضافة إلى منشآت مائية تظهر أساسات مبانيها على السطح مع آثار بئر قديمة، كذلك بقايا مبنى ضخم يقع في الطرف الشمالي من الموقع وأساسات المباني المنتشرة على سطح الموقع على الضفة الشمالية من وادي فيد من المدينة السكنية غرباً إلى الحصن شرقاً، كذلك آثار المعالم العمرانية لحصن فيد وملحقاته.

أما عن مسح الرسوم الصخرية والنقوش والكتابات القديمة فقد قام فريق مختص بمسح كافة مواقع الرسوم الصخرية القريبة من فيد الواقعة على واجهات الجبال، كان من أبرزها العثور على عدد كبير من الرسوم الصخرية القديمة عبارة عن رسوم لحيوانات مختلفة وكتابات ثمودية قديمة وكتابات إسلامية مبكرة.

وتم رصد أكثر من خمس وأربعين بئراً قديمة بعضها ما زال السكان يستخدمونه في ري مزروعاتهم من أهمها بئر الحمراء وتسمى قديماً عين النخل أو العين الباردة، وبئر الخيمة التي تقع شمال بئر الحمراء تعرف قديماً بالعين الحارة أو السوق، وبئر الخويمة قنوات أرضية في قاع البئر عبارة عن ثلاث قنوات الأولى باتجاه بئر الخيمة جنوباً والثانية ناحية الشرق والثالثة ناحية الشمال الشرقي، بأنه مرتبط بالآبار الموجودة بالمدينة السكنية القديمة والحصن «قصر خراش».

والمواقع المكتشفة شملت برك زبيدة بالقرب من المدينة وهي عبارة عن بركتين الأولى مربعة الشكل وأخرى مستطيلة الشكل متصلة بقناة سطح الأرض تصل بالبركة الأخرى عرضها 40 سم وسمك جدارها 60 سم، كلا البركتين مطمورتان بالأتربة ولا يظهر منهما إلا أجزاء وقد استفاد السكان من برك درب زبيدة القريبة من مدينة فيد قديما حيث العديد من البرك المنتشرة على جنبات درب الحج التي من السكان من استفاد منها في الري وتوفير ما يلزمهم من مياه لدوابهم ومن أهم هذه البرك بركة الساقية، بركة لشفاء، بركة الحويض، كذلك البرك الخاصة التي تشبه برك الدرب من حيث الحجم وتقنية البناء ونموذج هذا النوع تم الكشف عنه بالقرب من قصر خراش».

وكشف الدكتور الحواس عن أن عمليات الحفر والتنقيب التي تمت بأحدث الوسائل التقنية قد مكنت أعضاء الفريق من الوصول حتى الآن إلى تفاصيل السور الجنوبي لحصن فيد الضخم، بطول 115 متراً من الشرق إلى الغرب، الذي تضمن ثلاثة أبراج نصف دائرية تدعم السور من الخارج، فيما يبلغ سمك جدرانه مترين بعمق مترين، يظهر منها حوالي متر على سطح الأرض، مطمورة بكوم من الحجارة تمت إزالته من أجل الكشف عن تفاصيل السور، كذلك تم الكشف عن تفاصيل خمس وحدات معمارية متقنة البناء، ملاصقة للسور من الجهة الشمالية في الجزء الغربي من السور، تتكون من حجرتين وفناء ومدخل. أيضاً شمل التنقيب، منطقة التلال التي تقع على الجانب الشمالي من وادي فيد، عبارة عن مجموعة من التلال المرتفعة التي تحوي آثار أساسات بنائية تمثل جزءاً من بيوت ومنازل قديمة تتبع المدينة السكنية بالإضافة إلى تفاصيل معمارية تمثل أجزاء من وحدات معمارية، ومجموعة من التنانير المصنوعة من الفخار الأحمر، متقنة الصناعة والبناء محاطة بمسطبة حجرية لحمايتها من السقوط. وأكد الدكتور فهد إلى ان مهارة الباحثين قد كشفت النقاب عن معثورات أثرية دقيقة ومتنوعة، منها قطع لأوان فخارية وخزفية، عبارة عن أجزاء من فوهات ومقابض وأبدان وقواعد جرار وأباريق وقدور وأكواب، من أهم أنواعها الفخار غير المزجج، الفخار المزجج المطلي بلون أزرق غامق أو أخضر، الخزف ذو الطلاء القصديري الأبيض، الخزف المطلي بألوان متعددة، الخزف الصيني «بورسلين - سلدون».

أما بقية المعثورات الدقيقة كالزجاج والحجر الصابوني والعملات وغيرها من المعثورات، فإنها تنوعت أشكالها واستخداماتها. فالزجاج عثر عليه أثناء الحفريات بأنواع وأشكال مختلفة، تميزت بألوان منها الأبيض والأخضر والأزرق والأسود، أنواع الزجاج المكتشف متوسط الحجم، عبارة عن أجزاء من أبدان ورقاب وحواف وقواعد.

أما الحجر الصابوني فقد وجد بأشكال مختلفة، تتميز بزخارفها، التي عادة تنفذ بطريقة الحز أو الحفر، منها نموذج كشف عنه، يحوي زخارف هندسية منفذة بطريقة رائعة جداً، بالاضافة إلى مسارج متنوعة وأجزاء من قدور مختلفة الأحجام، بعضها له مماسك تبرز عن البدن، ألوانها رمادي يميل إلى اللون الأخضر.

كذلك عثر على عدد خمس عملات منها دينار من الذهب وآخر من الفضة، كلاهما تعودان إلى العصر العباسي، بينما العملات الأخرى تحتاج تنظيف وصيانة لمعرفة تفاصيلها.

أيضاً الحفرية أظهرت عدداً من المعثورات المتنوعة مثل مجموعة من القطع النحاسية أهمها آنية نحاسية وملعقة صغيرة وأدوات متنوعة لخلط المساحيق، كذلك قطع معدنية متنوعة، وقطع من العاج المنفذة بطريقة رائعة عبارة عن جزء من آنية صغيرة، مقبضها على شكل وجه طير.

وختم الحواس تصريحه بالتأكيد على أن العمل في مدينة فيد الأثرية مستمر ومتواصل وفق الخطط المرسومة والجداول الزمنية المعدة لاكتشاف المزيد من خبايا وأسرار مدينة فيد العريقة مقدماً الشكر الجزيل لهيئة تطوير حائل وأمانة المنطقة وإلى محافظها الشنان تركي بن شفاقة العتيبي، ورئيس مركز فيد رجاء ذياب القحطاني ومدير مجمع الشنان القروي المهندس عيسى فلاح النومسي ورئيس مخفر فيد عواد عيد الشمري ولأهالي فيد الذين أبدوا تفاعلاً فاق كل التوقعات ولأعضاء الفريق العلمي كل من سعد عبدالرحمن الرويسان وجهز الشمري وعجب العتيبي وسعد الشبرمي وعبدالله الخليل وماهر الموسى والمهندس أيمن سليمان وعادل العبيد ولكل من ساهم في إنجاز هذا العمل التاريخي الذي سيجير حتماً لمصلحة صناعة السياحة الأثرية في المملكة.